تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
الكافرين ، كما أنزلوا إلى مدائن لوط - عليه السلام - . وليس مثل نزول جبريل - عليه السلام - أو غيره من الملائكة إلى الرسل - عليهم السلام - بالشرائع أو بالوحي . قال تعالى في ذكر زكرياء - عليه السلام -
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
[ سورة آل عمران : 39 ] . والمراد ب « الحق » هنا الشيء الحاقّ ، أي المقتضي ، مثل إطلاق القضاء بمعنى المقضيّ . وهو هنا صفة لمحذوف يعلم من المقام ، أي العذاب الحاقّ . قال تعالى :
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ
[ سورة الحج : 18 ] وبقرينة قوله :
وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ
، أي لا تنزل الملائكة للناس غير الرسل والأنبياء . عليهم الصلاة والسلام - إلا مصاحبين للعذاب الحاقّ على الناس كما تنزلت الملائكة على قوم لوط وهو عذاب الاستئصال . ولو تنزلت الملائكة لعجل للمنزل عليهم ولما أمهلوا . ويفهم من هذا أن اللّه منظرهم ، لأنه لم يرد استئصالهم ، لأنه أراد أن يكون نشر الدين بواسطتهم فأمهلهم حتى اهتدوا ، ولكنه أهلك كبراءهم ومدبريهم . ونظير هذا قوله تعالى في سورة الأنعام [ 8 ] :
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ
. وقد نزلت الملائكة عليهم يوم بدر يقطعون رؤوس المشركين . والإنظار : التأخير والتأجيل . و
إِذاً
حرف جواب وجزاء . وقد وسطت هنا بين جزأي جوابها رعيا لمناسبة عطف جوابها على قول : ما تنزل الملائكة . وكان شأن ( إذن ) أن تكون في صدر جوابها . وجملتها هي الجواب المقصود لقولهم :
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ
[ سورة الحجر : 7 ] . وجملة ما تنزل الملائكة إلا بالحق مقدمة من تأخير لأنها تعليل للجواب ، فقدم لأنه أوقع في الرد ، ولأنه أسعد بإيجاز الجواب . وتقدير الكلام لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين إذن ما كنتم منظرين بالحياة ولعجل لكم الاستئصال إذ ما تنزل الملائكة إلا مصحوبين بالعذاب الحاقّ . وهذا المعنى وارد في قوله تعالى :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ
[ سورة العنكبوت : 53 ] .