تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
عطف على جملة
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 9 ] باعتبار أن تلك جواب عن استهزائهم في قولهم :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
[ الحجر : 6 ] فإن جملة
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
قول بموجب قولهم :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
. وجملة
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ
إبطال لاستهزائهم على طريقة التمثيل بنظرائهم من الأمم السالفة . وفي هذا التنظير تحقيق لكفرهم لأن كفر أولئك السالفين مقرّر عند الأمم ومتحدّث به بينهم . وفيه أيضا تعريض بوعيد أمثالهم وإدماج بالكناية عن تسلية الرسول - عليه الصلاة والسلام - . والتأكيد بلام القسم و ( قد ) لتحقيق سبق الإرسال من اللّه ، مثل الإرسال الذي جحدوه واستعجبوه كقوله :
أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ
[ سورة يونس : 2 ] . وذلك مقتضى موقع قوله :
مِنْ قَبْلِكَ
. والشيع جمع شيعة وهي الفرقة التي أمرها واحد ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى :
أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً
في سورة الأنعام [ 65 ] . ويأتي في قوله تعالى :
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ
في سورة مريم [ 69 ] ، أي في أمم الأولين ، أي القرون الأولى فإن من الأمم من أرسل إليهم ومن الأمم من لم يرسل إليهم . فهذا وجه إضافة
شِيَعِ
إلى
الْأَوَّلِينَ
. و
كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
يدلّ على تكرر ذلك منهم وأنه سنتهم ، ف ( كان ) دلّت على أنه سجية لهم ، والمضارع دل على تكرره منهم . ومفعول
أَرْسَلْنا
محذوف دلت عليه صيغة الفعل ، أي رسلا ، ودلّ عليه قوله :
مِنْ رَسُولٍ
. وتقديم المجرور على
يَسْتَهْزِؤُنَ
يفيد القصر للمبالغة ، لأنهم لما كانوا يكثرون الاستهزاء برسولهم وصار ذلك سجية لهم نزلوا منزلة من ليس له عمل إلا الاستهزاء بالرسول . [ 12 ، 13 ]

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 12 إلى 13 ]

كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 12 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ( 13 )