ووجه الملازمة بين مؤاخذة الظالمين بذنوبهم وبين إفناء الناس غير الظالمين وإفناء الدوابّ أن اللّه خلق الناس ليعبدوه ، أي ليعترفوا له بالإلهية والوحدانية فيها ، لقوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ سورة الذاريات : 56 ] ، وأن ذلك مودع في الفطرة لقوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ
ذرياتهم
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا
[ سورة الأعراف : 172 ] .
فنعمة الإيجاد تقضي على العاقل أن يشكر موجده ، فإذا جحد وجوده أو جحد انفراده بالإلهية فقد نقض العهد الذي وجد على شرطه ، فاستحقّ المحو من الوجود بالاستئصال والإفناء .
وبذلك تعيّن أن المراد من الظلم في قوله تعالى :
بِظُلْمِهِمْ
الإشراك أو التعطيل .
وأما ما دون ذلك من الاهتداء على حقّ اللّه بمعصية أمره ، أو على حقوق المخلوقات باغتصابها فهو مراتب كثيرة ، منها اعتداء أحد على وجود إنسان آخر محترم الحياة فيعدمه عمدا ، لذلك جزاؤه الإفناء لأنه أفنى مماثله ، ولا يتعدّاه إلى إفناء من معه ، وما دون ذلك من الظلم له عقاب دون ذلك ، فلا يستحقّ شيء غير الشرك الإهلاك ، ولكنّ شأن العقاب أن يقصر على الجاني .
فوجه اقتضاء العقاب على الشرك إفناء جميع المشركين ودوابّهم أن إهلاك الظالمين لا يحصل إلا بحوادث عظيمة لا تتحدّد بمساحة ديارهم ، لأن أسباب الإهلاك لا تتحدّد في عادة نظام هذا العالم ، فلذلك يتناول الإهلاك الناس غير الظالمين ويتناول دوابّهم .
وإذ قد كان الظلم ، أي الإشراك لم تخل منه الأرض لزم من إهلاك أهل الظلم سريان الإهلاك إلى جميع بقاع الأرض فاضمحلّ الناس والدوابّ فيأتي الفناء في قرون متوالية من زمن نوح مثلا ، فلا يوجد على الأرض دابّة في وقت نزول الآية .
فأما من عسى أن يكون بين الأمّة المشركة من صالحين فإن اللّه يقدّر للصالحين أسباب النّجاة بأحوال خارقة للعادة كما قال تعالى :
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ سورة الزمر : 61 ] . وقد أخبر اللّه تعالى بأنه نجّى هودا والذين آمنوا معه ، وأخبر بأنه نجّى أنبياء آخرين . وكفاك نجاة نوح - عليه السلام - والذين آمنوا معه من الطوفان في السفينة .
وقد دلّ قوله تعالى :
وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
أن تأخيرهم متفاوت