تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
والتّواري : الاختفاء ، مضارع وأراه ، مشتقّ من الوراء وهو جهة الخلف . و
مِنَ
في قوله تعالى :
مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ
للابتداء المجازي المفيد معنى التعليل ، لأنه يقال : فعلت كذا من أجل كذا ، قال تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ
[ سورة الأنعام : 151 ] ، أي يتوارى من أجل تلك البشارة . وجملة
أَ يُمْسِكُهُ
بدل اشتمال من جملة
يَتَوارى
، لأنه يتوارى حياء من الناس ؛ فيبقى متواريا من قومه أياما حتى تنسى قضيّته . وهو معنى قوله تعالى :
أَ يُمْسِكُهُ
إلخ ، أي يتوارى ويتردّد بين أحد هذين الأمرين بحيث يقول في نفسه : أأمسكه على هون أم أدسّه في التراب . والمراد : التردّد في جواب هذا الاستفهام . والهون : الذلّ . وتقدم عند قوله تعالى :
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ
في سورة الأنعام [ 93 ] . والدسّ : إخفاء الشيء بين أجزاء شيء آخر كالدفن . والمراد : الدّفن في الأرض وهو الوأد . وكانوا يئدون بناتهم ، بعضهم يئد بحدثان الولادة ، وبعضهم يئد إذا يفعت الأنثى ومشت وتكلّمت ، أي حين تظهر للناس لا يمكن إخفاؤها . وذلك من أفظع أعمال الجاهلية ، وكانوا متمالئين عليه ويحسبونه حقّا للأب فلا ينكرها الجماعة على الفاعل . ولذلك سمّاه اللّه حكما بقوله تعالى :
أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ
. وأعلن ذمّه بحرف
أَلا
لأنه جور عظيم قد تمالئوا عليه وخوّلوه للناس ظلما للمخلوقات ، فأسند الحكم إلى ضمير الجماعة مع أن الكلام كان جاريا على فعل واحد غير معيّن قضاء لحقّ هذه النكتة . [ 60 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 60 ]

لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) هذه الجملة معترضة جوابا عن مقالتهم التي تضمّنها قوله تعالى :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى
[ سورة النحل : 58 ] فإن لها ارتباطا بجملة
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ
[ سورة النحل : 57 ] كما تقدّم ، فهي بمنزلة ، جملة
سُبْحانَهُ
، غير أن جملة
سُبْحانَهُ
جواب بتنزيه اللّه عمّا نسبوه إليه ، وهذه جواب بتحقيرهم على ما يعاملون به البنات مع نسبتهم إلى اللّه هذا الصّنف المحقّر عندهم .