تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
كناية بمرتبتين ، ذلك لأن النهي عن الشيء يأذن بأن المنهي عنه بحيث يتلبس به المخاطب ، فنهيه عنه تحذير من التلبس به بقطع النظر عن تقدير تلبس المخاطب بذلك الحسبان . وعلى هذا الاستعمال جاءت الآية سواء جعلنا الخطاب لكل من يصح أن يخاطب فيدخل فيه النبي - عليه الصلاة والسلام - أم جعلناه للنبي ابتداء ويدخل فيه أمته . ونفي الغفلة عن اللّه ليس جاريا على صريح معناه لأن ذلك لا يظنه مؤمن بل هو كناية عن النهي عن استعجال العذاب للظالمين . ومنه جاء معنى التسلية للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . والغفلة : الذهول ، وتقدم في قوله تعالى :
وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ
في سورة الأنعام [ 156 ] . والمراد بالظلم هنا الشرك ، لأنه ظلم للنفس بإيقاعها في سبب العذاب المؤلم ، وظلم للّه بالاعتداء على ما يجب له من الاعتراف بالوحدانية . ويشمل ذلك ما كان من الظلم دون الشرك مثل ظلم الناس بالاعتداء عليهم أو حرمانهم حقوقهم فإن اللّه غير غافل عن ذلك . ولذلك قال سفيان بن عيينة هي تسلية للمظلوم وتهديد للظالم . وقوله :
فِيهِ الْأَبْصارُ
مبنية لجملة
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا
إلخ . وشخوص البصر : ارتفاعه كنظر المبهوت الخائف . وأل في
الْأَبْصارُ
للعموم ، أي تشخص فيه أبصار الناس من هول ما يرون . ومن جملة ذلك مشاهدة هول أحوال الظالمين . والإهطاع : إسراع المشي مع مد العنق كالمتختل ، وهي هيئة الخائف . وإقناع الرأس : طأطأته من الذل ، وهو مشتق من قنع من باب منع إذا تذلّل . و
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ
حالان . وجملة
لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ
في موضع الحال أيضا . والطرف : تحرك جفن العين . ومعنى
لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ
لا يرجع إليهم ، أي لا يعود إلى معتاده ، أي لا يستطيعون تحويله . فهو كناية عن هول ما شاهدوه بحيث يبقون ناظرين إليه لا تطرف أعينهم . وقوله :
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
تشبيه بليغ ، إذ هي كالهواء في الخلو من الإدراك لشدة الهول .