تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
الإسراء : 50 ] ، وكما تقول للذي يخطئ في كلامه : قل ما شئت . والمعنى : إن هي إلا أسماء سميتموها لا مسميات لها بوصف الإلهيّة لأنها حجارة لا صفات لها من صفات التصرف . وهذا كقوله تعالى :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
[ سورة يوسف : 40 ] وقوله :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها
[ سورة النجم : 23 ] . وهذا إفحام لهم وتسفيه لأحلامهم بأنهم ألّهوا ما لا حقائق لها فلا شبهة لهم في ذلك ، كقوله تعالى :
أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ
[ سورة الرعد : 16 ] . وقد تمحل المفسرون في تأويل
قُلْ سَمُّوهُمْ
بما لا محصّل له من المعنى . ثم أضرب عن ذلك بجملة
أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ
وهي
أَمْ
المنقطعة . ودلت
أَمْ
على أن ما بعدها في معنى الاستفهام ، وهو إنكاري توبيخي ، أي ما كان لكم أن تفتروا على اللّه فتضعوا له شركاء لم ينبئكم لوجودهم ، فقوله :
بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ
كناية عن غير الموجود لأن ما لا يعلمه اللّه لا وجود له إذ لو كان موجودا لم يخف على علم العلام بكل شيء . وتقييد ذلك ب
الْأَرْضِ
لزيادة تجهيلهم لأنه لو كان يخفى عن علمه شيء لخفي عنه ما لا يرى ولما خفيت عنه موجودات عظيمة بزعمكم . وفي سورة يونس [ 18 ]
قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
زيادة في التعميم . و
أَمْ
الثانية متصلة هي معادلة همزة الاستفهام المقدرة في
أَمْ تُنَبِّئُونَهُ
. وإعادة الباء للتأكيد بعد
أَمْ
العاطفة . والتقدير : بل أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض بل أتنبئونه بظاهر من القول . وليس الظاهر هنا مشتقا من الظهور بمعنى الوضوح بل هو مشتق من الظهور بمعنى الزوال كناية عن البطلان ، أي بمجرد قبول لا ثبات له وليس بحق ، كقول أبي ذؤيب : وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وقول سبرة بن عمرو الفقعسي :
أعيّرتنا ألبانها ولحومها * وذلك عاريا يا ابن ريطة ظاهر
وقوله :
بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ
إضراب عن الاحتجاج عليهم بإبطال إلهية