تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
والمثل : هنا الصفة العجيبة ، قيل : هو حقيقة من معاني المثل ، كقوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
[ النحل : 60 ] ، وقيل : هو مستعار من المثل الذي هو الشبيه في حالة عجيبة أطلق على الحالة العجيبة غير الشبيهة لأنها جديرة بالتشبيه بها . وجملة
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
خبر عن
مَثَلُ
باعتبار أنها من أحوال المضاف إليه ، فهي من أحوال المضاف لشدة الملابسة بين المتضايفين ، كما يقال : صفة زيد أسمر . وجملة
أُكُلُها دائِمٌ
خبر ثان ، والأكل بالضم : المأكول ، وتقدم . ودوام الظل كناية عن التفاف الأشجار بحيث لا فراغ بينها تنفذ منه الشمس ، كما قال تعالى :
وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً
[ سورة النبأ : 16 ] ، وذلك من محامد الجنات وملاذّها . وجملة
تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا
مستأنفة . والإشارة إلى الجنة بصفاتها بحيث صارت كالمشاهدة ، والمعنى : تلك هي التي سمعتم أنها عقبى الدار للذين يوفون بعهد اللّه إلى قوله :
وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
- إلى قوله -
فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
[ سورة الرعد : 24 ] هي الجنة التي وعد المتّقون . وقد علم أن الذين اتقوا هم المؤمنون الصالحون كما تقدم . وأول مراتب التقوى الإيمان . وجملة
وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ
مستأنفة للمناسبة بالمضادة . وهي كالبيان لجملة
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
. [ 36 ]

[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 36 ]

وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ ( 36 )
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ
. الواو للاستئناف . وهذا استئناف ابتدائي انتقل به إلى فضل لبعض أهل الكتاب في حسن تلقيهم للقرآن بعد الفراغ من ذكر أحوال المشركين من قوله :
كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ
[ سورة الرعد : 30 ] إلخ ، ولذلك جاءت على أسلوبها في التعقيب بجملة
قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ
[ سورة الرعد : 36 ] . والمناسبة هي أن الذين أرسل إليهم بالقرآن انقسموا في التصديق بالقرآن فرقا ؛ ففريق آمنوا باللّه وهم المؤمنون ، وفريق كفروا به وهم مصداق قوله :
وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ
[ سورة الرعد : 30 ] ، كما تقدم أنه عائد إلى المشركين المفهومين من المقام كما هو مصطلح القرآن .