تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
عطف على جملة
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ
[ سورة يوسف : 103 ] إلخ . هاتان الآيتان متّصل معناهما بما تضمنه قوله تعالى :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
[ سورة يوسف : 102 ] إلى قوله :
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
[ سورة يوسف : 104 ] وقوله :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي
الآية [ سورة يوسف : 108 ] ، فإن تلك الآي تضمنت الحجة على صدق الرسول - عليه الصلاة والسّلام - فيما جاءهم به ، وتضمنت أن الذين أشركوا غير مصدقينه عنادا وإعراضا عن آيات الصدق . فالمعنى أن إرسال الرسل - عليهم السّلام - سنّة إلهية قديمة فلما ذا يجعل المشركون نبوءتك أمرا مستحيلا فلا يصدّقون بها مع ما قارنها من آيات الصدق فيقولون :
أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
. وهل كان الرسل - عليهم السّلام - السابقون إلا رجالا من أهل القرى أوحى اللّه إليهم فبما ذا امتازوا عليك ، فسلم المشركون ببعثتهم وتحدّثوا بقصصهم وأنكروا نبوءتك . وراء هذا معنى آخر من التذكير باستواء أحوال الرسل - عليهم السّلام - وما لقوه من أقوامهم فهو وعيد باستواء العاقبة للفريقين . و
مِنْ قَبْلِكَ
يتعلق ب
أَرْسَلْنا
ف
مِنْ
لابتداء الأزمنة فصار ما صدق القبل الأزمنة السابقة ، أي من أول أزمنة الإرسال . ولولا وجود
مِنْ
لكان
قَبْلِكَ
في معنى الصفة للمرسلين المدلول عليهم بفعل الإرسال . والرجال : اسم جنس جامد لا مفهوم له . وأطلق هنا مرادا به أناسا كقوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - « ورجل ذكر اللّه خاليا ففاضت عيناه » ، أي إنسان أو شخص ، فليس المراد الاحتراز عن المرأة . واختير هنا دون غيره لمطابقته الواقع فإن اللّه لم يرسل رسلا من النساء لحكمة قبول قيادتهم في نفوس الأقوام إذ المرأة مستضعفة عند الرجال دون العكس ؛ ألا ترى إلى قول قيس بن عاصم حين تنبأت سجاح :
أضحت نبيئتنا أنثى نطيف بها * وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
وليس تخصيص الرجال وأنهم من أهل القرى لقصد الاحتراز عن النساء ومن أهل البادية ولكنه لبيان المماثلة بين من سلّموا برسالتهم وبين محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - حين قالوا :
فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
[ الأنبياء : 5 ] و
قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى
[ القصص : 48 ] ، أي فما كان محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - بدعا من الرسل حتى تبادروا بإنكار رسالته وتعرضوا عن النظر في آياته . فالقصر إضافي ، أي لم يكن الرسل - عليهم السّلام - قبلك ملائكة أو ملوكا من
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 127 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور