تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
والفاء في قوله :
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ
فاء السبية التي من شأنها أن تقترن بجواب الشرط إذا كان غير صالح لمباشرة أداة الشرط ، وذلك أنه قصد تسبب قولهم :
اللَّهُ
على السؤال المأمور به النبي عليه الصلاة والسلام ، فنزل فعل
فَقُلْ
منزلة الشرط فكأنه قيل : إن تقل من يرزقكم من السماء والأرض فسيقولون اللّه ، ومنه قوله تعالى :
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا
[ الإسراء : 51 ، 52 ] . وهذا الاستعمال نظير تنزيل الأمر من القول منزلة الشرط في جزم الفعل المقول بتنزيله منزلة جواب الشرط كقوله تعالى :
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ
[ إبراهيم : 31 ] وقوله :
وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ الإسراء : 53 ] . التقدير : إن تقل لهم أقيموا الصلاة يقيموا وإن تقل لهم قولوا التي هي أحسن يقولوا . وهو كثير في القرآن على رأي المحققين من النحاة وعادة المعربين أن يخرّجوه على حذف شرط مقدر دل عليه الكلام . والرأيان متقاربان إلا أن ما سلكه المحققون تقدير معنى والتقدير عندهم اعتبار لا استعمال ، وما سلكه المعربون تقدير إعراب والمقدر عندهم كالمذكور . ولو لم ينزل الأمر بمنزلة الشرط لما جاءت الفاء كما في قوله تعالى :
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
[ المؤمنون : 84 ، 85 ] الآيات . والفاء في قوله :
فَقُلْ
فاء الفصيحة ، أي إن قالوا ذلك فقل أفلا تتقون . والفاء في قوله :
أَ فَلا تَتَّقُونَ
فاء التفريع ، أي يتفرع على اعترافكم بأنه الفاعل الواحد إنكار عدم التقوى عليكم . ومفعول
تَتَّقُونَ
محذوف ، تقديره تتقونه ، أي بتنزيهه عن الشريك . وإنما أخبر اللّه عنهم بأنهم سيعترفون بأن الرازق والخالق والمدبر هو اللّه لأنهم لم يكونوا يعتقدون غير ذلك كما تكرر الإخبار بذلك عنهم في آيات كثيرة من القرآن . وفيه تحدّ لهم فإنهم لو استطاعوا لأنكروا أن يكون ما نسب إليهم صحيحا ، ولكن خوفهم عار الكذب صرفهم عن ذلك فلذلك قامت عليهم الحجة بقوله :
فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ
. [ 32 ]

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 32 ]

فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 32 ) الفاء للتفريع على الإنكار الذي في قوله :
أَ فَلا تَتَّقُونَ
[ يونس 31 ] ، فالمفرع من جملة المقول . واسم الإشارة عائد إلى اسم الجلالة للتنبيه على أن المشار إليه جدير بالحكم الذي سيذكر بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف المتقدمة على اسم الإشارة وهي كونه الرازق ، الواهب الإدراك ، الخالق ، المدبر ، لأن اسم الإشارة قد جمعها . وأومأ إلى
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 73 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور