تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
التعليم مما يراد رسوخه من القواعد العلمية أن يؤتى به في صورة السؤال والجواب . وقوله :
مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
تذكير بأحوال الرزق ؛ ليكون أقوى حضورا في الذهن ، فالرزق من السماء المطر ، والرزق من الأرض النبات كله من حب وثمر وكلإ . و ( أم ) في قوله :
أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ
للإضراب الانتقالي من استفهام إلى آخر . ومعنى :
يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
يملك التصرف فيهما ، وهو ملك إيجاد تينك الحاستين وذلك استدلال وتذكير بأنفع صنع وأدقه . وأفرد
السَّمْعَ
لأنه مصدر فهو دال على الجنس الموجود في جميع حواس الناس . وأما
الْأَبْصارَ
فجيء به جمعا لأنه اسم ، فهو ليس نصا في إفادة العموم لاحتمال توهم بصر مخصوص فكان الجمع أدل على قصد العموم وأنفى لاحتمال العهد ونحوه بخلاف قوله :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 36 ] لأن المراد الواحد لكل مخاطب بقوله :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
[ الإسراء : 36 ] . وقد تقدم عند قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ
في سورة الأنعام [ 46 ] . وإخراج الحي من الميت : هو تولد أطفال الحيوان من النطف ومن البيض ؛ فالنطفة أو البيضة تكون لا حياة فيها ثم تتطور إلى الشكل القابل للحياة ثم تكون فيها الحياة . و ( من ) في قوله :
مِنَ الْمَيِّتِ
للابتداء . وإخراج الميت من الحي إخراج النطفة والبيض من الحيوان . والتعريف في
الْحَيَّ
و
الْمَيِّتِ
في المرتين تعريف الجنس . وقد نظم هذا الاستدلال على ذلك الصنع العجيب بأسلوب الأحاجي والألغاز وجعل بمحسن التضاد ، كل ذلك لزيادة التعجيب منه . وقد تقدم الكلام على نظيره في قوله :
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
في سورة آل عمران [ 27 ] . غير أن ما هنا ليس فيه رمز إلى شيء . وقوله :
وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
تقدم القول في نظيره في أوائل هذه السورة . وهو هنا تعميم بعد تخصيص ذكر ما فيه مزيد عبرة في أنفسهم كالعبرة في قوله :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
[ الذاريات : 21 ، 22 ] .