تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
يقتضيه الأمر من رجاء العفو عنهم إذا استغفروا وتابوا . وتفنن في إضافة الرب إلى ضمير نفسه مرة وإلى ضمير قومه أخرى لتذكيرهم بأنّه ربّهم كيلا يستمروا على الإعراض وللتشرف بانتسابه إلى مخلوقيته . والرّحيم تقدّم . والودود : مثال مبالغة من الودّ وهو المحبّة . وقد تقدّم عند قوله تعالى :
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا
في سورة النساء [ 89 ] . والمعنى : أنّ اللّه شديد المحبة لمن يتقرّب إليه بالتّوبة . [ 91 ]

[ سورة هود ( 11 ) : آية 91 ]

قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ( 91 ) والفقه : الفهم . وتقدّم عند قوله تعالى :
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
في سورة النّساء [ 78 ] ، وقوله :
انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
في سورة الأنعام [ 65 ] . ومرادهم من هذا يحتمل أن يكون قصد المباهتة كما حكى اللّه عن المشركين
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ
[ فصلت : 5 ] وقوله عن اليهود :
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
[ البقرة : 88 ] . ويجوز أن يكون المراد ما نتعقّله لأنه عندهم كالمحال لمخالفته ما يألفون ، كما حكى اللّه عن غيرهم بقوله :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
[ ص : 5 ] ، وليس المراد عدم فهم كلامه لأنّ شعيبا - عليه السّلام - كان مقوالا فصيحا ، ووصفه النبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه خطيب الأنبياء . فالمعنى : أنك تقول ما لا نصدق به . وهذا مقدمة لإدانته واستحقاقه الذم والعقاب عندهم في قولهم :
وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ
، ولذلك عطفوا عليه
وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً
أي وإنّك فينا لضعيف ، أي غير ذي قوّة ولا منعة . فالمراد الضعف عن المدافعة إذا راموا أذاه وذلك ممّا يرى لأنّه ترى دلائله وسماته . وذكر فعل الرؤية هنا للتّحقيق ، كما تقدّم في قوله تعالى :
ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا
[ هود : 27 ] بحيث نزّلوه منزلة من تظنون أنهم لا يرون ذلك بأبصارهم فصرحوا بفعل الرؤية . وأكّدوه ب ( إنّ ) ولام الابتداء مبالغة في تنزيله منزلة