[ 89 ، 90 ]
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 89 إلى 90 ]
وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ( 89 ) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ( 90 )
تقدم الكلام على النكتة في إعادة النداء في الكلام الواحد لمخاطب متّحد قريبا .
وتقدم الكلام على
لا يَجْرِمَنَّكُمْ
عند قوله تعالى :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا
في أول العقود [ 2 ] ، أي لا يكسبنكم .
والشقاق : مصدر شاقّه إذا عاداه . وقد مضت عند قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
في أول الأنفال [ 13 ] .
والمعنى : لا تجر إليكم عداوتكم إياي إصابتكم بمثل ما أصاب قوم نوح إلى آخره ، فالكلام في ظاهره أنه ينهى الشقاق أن يجر إليهم ذلك . والمقصود نهيهم عن أن يجعلوا الشّقاق سببا للإعراض عن النظر في دعوته ، فيوقعوا أنفسهم في أن يصيبهم عذاب مثل ما أصاب الأمم قبلهم فيحسبوا أنهم يمكرون به بإعراضهم وما يمكرون إلّا بأنفسهم .
ولقد كان فضح سوء نواياهم الدّاعية لهم إلى الإعراض عن دعوته عقب إظهار حسن نيّته ممّا دعاهم إليه بقوله :
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ
[ هود : 88 ] مصادفا محزّ جودة الخطابة إذ رماهم بأنّهم يعملون بضدّ ما يعاملهم به .
وجملة
وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ
في موضع الحال من ضمير النّصب في قوله :
أَنْ يُصِيبَكُمْ
والواو رابطة الجملة . ولمعنى الحال هنا مزيد مناسبة لمضمون جملتها إذ اعتبر قرب زمانهم بالمخاطبين كأنّه حالة من أحوال المخاطبين .
والمراد بالبعد بعد الزمن والمكان والنسب ، فزمن لوط - عليه السّلام - غير بعيد في زمن شعيب - عليه السّلام - ، والدّيار قريبة من ديارهم ، إذ منازل مدين عند عقبة أيلة مجاورة معان ممّا يلي الحجاز ، وديار قوم لوط بناحية الأردن إلى البحر الميت وكان مدين بن إبراهيم - عليهما السّلام - وهو جد القبيلة المسماة باسمه ، متزوجا بابنة لوط .
وجملة
وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
عطف على جملة
لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي
.
وجملة
إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ
تعليل الأمر باستغفاره والتوبة إليه ، وهو تعليل لما