منه ، والغرض منها مثل الغرض من صفة الربوبية .
والأخذ : الإمساك .
والناصية : ما انسدل على الجبهة من شعر الرأس . والأخذ بالناصية هنا تمثيل للتمكّن ، تشبيها بهيئة إمساك الإنسان من ناصيته حيث يكون رأسه بيد آخذه فلا يستطيع انفلاتا . وإنما كان تمثيلا لأن دواب كثيرة لا نواصي لها فلا يلتئم الأخذ بالناصية مع عموم
ما مِنْ دَابَّةٍ
، ولكنه لما صار مثلا صار بمنزلة : ما من دابة إلا هو متصرف فيها .
ومن بديع هذا المثل أنّه أشدّ اختصاصا بالنوع المقصود من بين عموم الدّواب ، وهو نوع الإنسان . والمقصود من ذلك أنّه المالك القاهر لجميع ما يدبّ على الأرض ، فكونه مالكا للكلّ يقتضي أن لا يفوته أحد منهم ، وكونه قاهرا لهم يقتضي أن لا يعجزه أحد منهم .
وجملة
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
تعليل لجملة
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ
، أي توكّلت عليه لأنّه أهل لتوكلي عليه ، لأنّه متّصف بإجراء أفعاله على طريق العدل والتأييد لرسله .
و
عَلى
للاستعلاء المجازي ، مثل
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ *
[ البقرة : 5 ] مستعارة للتمكّن المعنوي ، وهو الاتّصاف الراسخ الذي لا يتغير .
والصراط المستقيم مستعار للفعل الجاري على مقتضى العدل والحكمة لأنّ العدل يشبّه بالاستقامة والسواء . قال تعالى :
فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
[ مريم : 43 ] . فلا جرم لا يسلم المتوكّل عليه للظّالمين .
[ 57 ]
[ سورة هود ( 11 ) : آية 57 ]
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 57 )
تفريع على جملة
إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ
[ هود : 54 ] . وما بينهما اعتراض أوجبه قصد المبادرة بإبطال باطلهم لأنّ مضمون هذه الجملة تفصيل لمضمون جملة
إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ
[ هود : 54 ] بناء على أنّ هذا من كلام هود - عليه السّلام - .
وعلى هذا الوجه يكون أصل
تَوَلَّوْا
تتولوا فحذفت إحدى التّاءين اختصارا ، فهو مضارع ، وهو خطاب هود - عليه السّلام - لقومه ، وهو ظاهر إجراء الضمائر على وتيرة واحدة .