أعظم الضر ، ولا تضرونه أقلّ ضر ؛ فإنّ المعروف في المقارعات والخصومات أنّ الغالب المضرّ بعدوّه لا يخلو من أن يلحقه بعض الضرّ من جرّاء المقارعة والمحاربة .
وجملة
إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
تعليل لجملة
وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً
، فموقع
إِنَّ
فيها موقع فاء التفريع .
والحفيظ : أصله مبالغة الحافظ ، وهو الذي يضع المحفوظ بحيث لا يناله أحد غير حافظه ، وهو هنا كناية عن القدرة والقهر .
[ 58 ]
[ سورة هود ( 11 ) : آية 58 ]
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( 58 )
استعمال الماضي في قوله :
جاءَ أَمْرُنا
بمعنى اقتراب المجيء لأن الإنجاء كان قبل حلول العذاب .
والأمر أطلق على أثر الأمر ، وهو ما أمر اللّه به أمر تكوين ، أي لمّا اقترب مجيء أثر أمرنا ، وهو العذاب ، أي الريح العظيم .
ومتعلّق
نَجَّيْنا
الأول محذوف ، أي من العذاب الدال عليه قوله :
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا
. وكيفيّة إنجاء هود - عليه السّلام - ومن معه تقدّم ذكرها في تفسير سورة الأعراف .
والباء في
بِرَحْمَةٍ مِنَّا
للسببيّة ، فكانت رحمة اللّه بهم سببا في نجاتهم . والمراد بالرحمة فضل اللّه عليهم لأنّه لو لم يرحمهم لشملهم الاستئصال فكان نقمة للكافرين وبلوى للمؤمنين .
وجملة
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
معطوفة على جملة
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا
.
والتّقدير وأيضا نجّيناهم من عذاب شديد وهو الإنجاء من عذاب الآخرة وهو العذاب الغليظ . ففي هذا منّة ثانية على إنجاء ثان ، أي نجّيناهم من عذاب الدّنيا برحمة منّا ونجّيناهم من عذاب غليظ في الآخرة ، ولذلك عطف فعل
نَجَّيْناهُمْ
على
نَجَّيْنا
، وهذان الإنجاءان يقابلان جمع العذابين لعاد في قوله :
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ
[ هود : 60 ] . وقد ذكر هنا متعلّق الإنجاء وحذف السبب عكس ما في الجملة الأولى لظهور أن الإنجاء من عذاب الآخرة كان بسبب الإيمان وطاعة اللّه كما دلّ عليه مقابلته بقوله :
وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ
[ هود : 59 ] .