تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
والباء للتعدية لا للسببية ، فتعدية فعل ( يؤمنون ) إلى ضمير القرآن من باب إضافة الحكم إلى الأعيان وإرادة أوصافها مثل
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
[ النساء : 23 ] ، أي يؤمنون بما وصف به القرآن من أنه من عند اللّه . وحاصل معنى الآية وارتباطها بما قبلها
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[ هود : 14 ] فإن الذين يؤمنون به هم الذين كانوا على بيّنة من ربّهم مؤيّدة بشاهد من ربهم ومعضودة بكتاب موسى - عليه السلام - من قبل بيّنتهم . وقريب من معنى الآية قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ
[ الأحقاف : 10 ] فاستقام تفسير الآية تمام الاستقامة ، وأنت لا يعوزك تركيب الوجوه التي تأول بها المفسرون ممّا يخالف ما ذكرناه كلا أو بعضا فبصرك فيها حديد ، وبيدك لفتح مغالقها مقاليد . وجملة
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ
عطف على جملة
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
لأنه لمّا حرض أهل مكة على الإسلام بقوله :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[ هود : 14 ] ، وأراهم القدوة بقوله :
أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ
، عاد فحذر من الكفر بالقرآن فقال :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ
، وأعرض عما تبين له من بيّنة ربه وشواهد رسله فالنّار موعده . والأحزاب : هم جماعات الأمم الذين يجمعهم أمر يجتمعون عليه ، فالمشركون حزب ، واليهود حزب ، والنصارى حزب ، قال تعالى :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ
[ ص : 12 ، 13 ] . والباء في
يَكْفُرْ بِهِ
كالباء في
يُؤْمِنُونَ بِهِ
. والموعد : ظرف للوعد من مكان أو زمان . وأطلق هنا على المصير الصائر إليه لأن شأن المكان المعيّن لعمل أن يعين به بوعد سابق .
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
تفريع على جملة
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ
والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم . والنهي مستعمل كناية تعريضية بالكافرين بالقرآن لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ونقصه ، فمن لوازمه ذم المتلبس بالمنهي عنه . ولما كان المخاطب غير مظنة للتلبس بالمنهي عنه فيطلب منه تركه ويكون النهي طلب تحصيل الحاصل ، تعيّن أن يكون النهي