تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
فموقع قوله :
وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً
بمنزلة التعليل لتعليق مجيء الفتح على أن
تَسْتَفْتِحُوا
المشعر بأن النصر غير مضمون الحصول إلّا إذا استنصروا باللّه تعالى وجملة
وَلَوْ كَثُرَتْ
في موضع الحال ، و
لَوْ
اتصالية ، وصاحب الحال متصف بضد مضمونها ، أي : ولو كثرت فكيف وفئتكم قليلة ، وعلى هذا الوجه يكون في قوله :
وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
إظهار في مقام الإضمار ، لأن مقتضى الظاهر أن يقال : وإن اللّه معكم ، فعدل إلى الاسم الظاهر للإيماء إلى أن سبب عناية اللّه بهم هو إيمانهم . فهذان تفسيران للآية والوجدان يكون كلاهما مرادا . والفتح حقيقته إزالة شيء مجعول حاجزا دون شيء آخر ، حفظا له من الضياع أو الافتكاك والسرقة ، فالجدار حاجز ، والباب حاجز ، والسد حاجز ، والصندوق حاجز ، والعدل تجعل فيه الثياب والمتاع حاجز ، فإذا أزيل الحاجز أو فرج فيه فرجة يسلك منها إلى المحجوز سميت تلك الإزالة فتحا ، وذلك هو المعنى الحقيقي ، إذ هو المعنى الذي لا يخلو عن اعتباره جميع استعمال مادة الفتح وهو بهذا المعنى يستعار لإعطاء الشيء العزيز النوال استعارة مفردة أو تمثيلية وقد تقدم عند قوله تعالى :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
[ الأنعام : 44 ] وقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ
الآية في سورة الأعراف [ 96 ] فالاستفتاح هنا طلب الفتح أي النصر ، والمعنى إن تستنصروا اللّه فقد جاءكم النصر . وكثر إطلاق الفتح على حلول قوم بأرض أو بلد غيرهم في حرب أو غارة ، وعلى النصر ، وعلى الحكم ، وعلى معان أخر ، على وجه المجاز أو الكناية وقوله :
وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
وقرأه نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، بفتح همزة
إِنْ
على تقدير لام التعليل عطفا على قوله :
وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ
[ الأنفال : 18 ] . وقرأه الباقون بكسر الهمزة ، فهو تذييل للآية في معنى التعليل ، لأن التذييل لما فيه من العموم يصلح لإفادة تعليل المذيّل ، لأنه بمنزلة المقدمة الكبرى للمقدمة الصغرى . [ 20 - 23 ]

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 20 إلى 23 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ( 20 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 21 ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 ) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 )