تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
بمسمع المخاطبين ومرآهم . وحمل ابن عطية فعل
جاءَكُمُ
على معنى : فقد تبين لكم النصر ورأيتموه أنه عليكم لا لكم ، وعلى هذا يكون المجيء بمعنى الظهور : مثل
وَجاءَ رَبُّكَ
[ الفجر : 22 ] ومثل
جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ
[ الإسراء : 81 ] ولا يكون في الكلام تهكم . وصيغ
تَسْتَفْتِحُوا
بصيغة المضارع مع أن الفعل مضى لقصد استحضار الحالة من تكريرهم الدعاء بالنصر على المسلمين ، وبذلك تظهر مناسبة عطف
وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
- إلى قوله -
وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
أي تنتهوا عن كفركم بعد ظهور الحق في جانب المسلمين . وعطف الوعيد على ذلك بقوله :
وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ
أي : إن تعودوا إلى العناد والقتال نعد ، أي نعد إلى هزمكم كما فعلنا بكم يوم بدر . ثم أيأسهم من الانتصار في المستقبل كله بقوله :
وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ
أي لا تنفعكم جماعتكم على كثرتها كما لم تغن عنكم يوم بدر ، فإن المشركين كانوا يومئذ واثقين بالنصر على المسلمين لكثرة عددهم وعددهم . والظاهر أن جملة :
إِنْ تَعُودُوا
معطوفة على جملة الجزاء وهي :
فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ
. و
لَوْ
اتصالية أي
لَنْ
تغني عنكم في حال من الأحوال ولو كانت في حال كثرة على فئة أعدائكم ، وصاحب الحال المقترنة ب ( لو ) الاتصالية قد يكون متصفا بمضمونها ، وقد يكون متصفا بنقيضه ، فإن كان المراد من العود في قوله :
وَإِنْ تَعُودُوا
العود إلى طلب النصر للمحق فالمعنى واضح ، وإن كان المراد منه العود إلى محاربة المسلمين فقد يشكل بأن المشركين انتصروا على المسلمين يوم أحد فلم يتحقق معنى نعد ولا موقع لجملة :
وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ
فإن فئتهم أغنت عنهم يوم أحد . والجواب عن هذا إشكال أن الشرط لم يكن بأداة شرط مما يفيد العموم مثل ( مهما ) فلا يبطله تخلف حصول مضمون الجزاء عن حصول الشرط في مرة ، أو نقول إن اللّه قضى للمسلمين بالنصر يوم أحد ، ونصرهم وعلم المشركون أنهم قد غلبوا ثم دارت الهزيمة على المسلمين ؛ لأنهم لم يمتثلوا لأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبرحوا عن الموضع الذي أمرهم أن لا يبرحوا عنه طلبا للغنيمة فعوقبوا بالهزيمة كما قال :
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ
[ آل عمران : 166 ] - وقال -
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ