تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
أَكِنَّةً
[ الأنعام : 25 ] ، وعن ابن عباس أن المراد بهم نفر من قريش ، وهم بنو عبد الدار بن قصي ، كانوا يقولون : نحن صم بكم عما جاء به محمد ، فلم يسلم منهم إلّا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة ، وبقيتهم قتلوا جميعا في أحد ، وكانوا أصحاب اللواء في الجاهلية ، ولكن هؤلاء لم يقولوا سمعنا بل قالوا : نحن صم بكم ، فلا يصح أن يكونوا هم المراد بهذه الآية بل المراد طوائف من المشركين ، وقيل : المراد بهم اليهود ، وقد عرفوا بهذه المقالة ، واجهوا بها النبي صلى اللّه عليه وسلم قال تعالى :
وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا
[ النساء : 46 ] وقيل : أريد المنافقون قال تعالى :
وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ
[ النساء : 81 ] وإنما يقولون سمعنا لقصد إيهام الانتفاع بما سمعوا ، لأن السمع يكنى به عن الانتفاع بالمسموع وهو مضمون ما حكي عنهم من قولهم
طاعَةٌ
ولذلك نفي عنهم السمع بهذا المعنى بقوله :
وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
أي لا ينتفعون بما سمعوه ، فالمعنى هو معنى السمع الذي أرادوه بقولهم :
سَمِعْنا
وهو إيهامهم أنهم مطيعون ، فالواو في قوله :
وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
واو الحال . وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للاهتمام به ليتقرر مفهومه في ذهن السامع فيرسخ اتصافه بمفهوم المسند ، وهو انتفاء السمع عنهم ، على أن المقصود الأهم من قوله :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
هو التعريض بأهل هذه الصلة من الكافرين أو المنافقين لا خشية وقوع المؤمنين في مثل ذلك . وصيغ فعل
لا يَسْمَعُونَ
بصيغة المضارع لإفادة أنهم مستمرون على عدم السمع ، فلذلك لم يقل وهم لم يسمعوا . وجملة :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
معترضة ، وسوقها في هذا الموضع تعريض بالذين
قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
بأنهم يشبهون دواب صماء بكماء . والتعريض قد يكون كناية وليس من أصنافها فإن بينه وبين الكناية عموما وخصوصا وجهيا ، لأن التعريض كلام أريد به لازم مدلوله ، وأما الكناية فهي لفظ مفرد يراد به لازم معناه إما الحقيقي كقوله تعالى :
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
[ الزمر : 12 ] ، وإما المجازي نحو قولهم للجواد : جبان الكلب إذا لم يكن له كلب ، فأما التعريض فليس إرادة لازم معنى لفظ مفرد ولا لازم معنى تركيب ، وإنما هو إرادة لنطق المتكلم بكلامه ، قال في « الكشاف » عند قوله تعالى :
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ
في سورة