تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
والتأكيد ب « إنّ » لمجرّد الاهتمام بالخبر باعتبار جعله دليلا على بديع صنع اللّه تعالى . [ 64 ]

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 64 ]

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 64 ) استئناف ابتدائي بالإقبال على خطاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأوامر وتعاليم عظيمة ، مهّد لقبولها وتسهيلها بما مضى من التذكير بعجيب صنع اللّه والامتنان بعنايته برسوله والمؤمنين ، وإظهار أن النجاح والخير في طاعته وطاعة اللّه ، من أوّل السورة إلى هنا ، فموقع هذه الآية بعد التي قبلها كامل الاتّساق والانتظام ، فإنّه لمّا أخبره بأنّه حسبه وكافيه ، وبيّن ذلك بأنّه أيّده بنصره فيما مضى وبالمؤمنين ، فقد صار للمؤمنين حظّ في كفاية اللّه تعالى رسوله صلى اللّه عليه وسلم فلا جرم أنتج ذلك أنّ حسبه اللّه والمؤمنون ، فكانت جملة :
يا أَيُّهَا
النبي
حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
كالفذلكة للجملة التي قبلها . وتخصيص النبي بهذه الكفاية لتشريف مقامه بأنّ اللّه يكفي الأمّة لأجله . والقول في وقوع « حسب » مسندا إليه هنا كالقول في قوله آنفا
فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ
[ الأنفال : 62 ] . وفي عطف المؤمنين « على اسم الجلالة هنا : تنويه بشأن كفاية اللّه النبي صلى اللّه عليه وسلم بهم ، إلّا أنّ الكفاية مختلفة وهذا من عموم المشترك لا من إطلاق المشترك على معنيين ، فهو كقوله :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
. وقيل يجعل
وَمَنِ اتَّبَعَكَ
مفعولا معه لقوله :
حَسْبُكَ
بناء على قول البصريين إنّه لا يعطف على الضمير المجرور اسم ظاهر ، أو يجعل معطوفا على رأي الكوفيين المجوّزين لمثل هذا العطف . وعلى هذا التقدير يكون التنويه بالمؤمنين في جعلهم مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذا التشريف ، والتفسير الأول أولى وأرشق . وقد روي عن ابن عبّاس : أنّ قوله : يا أيها النبي
حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
نزلت يوم أسلم عمر بن الخطاب . فتكون مكّيّة ، وبقيت مقروءة غير مندرجة في سورة ، ثم وقعت في هذا الموضع بإذن من النبي صلى اللّه عليه وسلم لكونه أنسب لها . وعن النقّاش نزلت هذه الآية بالبيداء في بدر ، قبل ابتداء القتال ، فيكون نزولها متقدّما على أوّل السورة ثم جعلت في هذا الموضع من السورة . والتناسب بينها وبين الآية التي بعدها ظاهر مع اتّفاقهم على أنّ الآية التي بعدها
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 153 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور