عدا مشركي العرب على حسب مصلحة المسلمين .
[ 62 ، 63 ]
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 62 إلى 63 ]
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 63 )
لمّا كان طلب السلم والهدنة من العدوّ قد يكون خديعة حربية ، ليغرّوا المسلمين بالمصالحة ثمّ يأخذوهم على غرّة ، أيقظ اللّه رسوله لهذا الاحتمال فأمره بأن يأخذ الأعداء على ظاهر حالهم ، ويحملهم على الصدق ، لأنّه الخلق الإسلامي ، وشأن أهل المروءة ، ولا تكون الخديعة بمثل نكث العهد ، فإذا بعث العدوّ كفرهم على ارتكاب مثل هذا التسفّل ، فإنّ اللّه تكفّل ، للوفي بعهده ، أن يقيه شرّ خيانة الخائنين . وهذا الأصل ، وهو أخذ الناس بظواهرهم ، شعبة من شعب دين الإسلام قال تعالى :
فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
[ التوبة : 4 ]
وفي الحديث : آية المنافق ثلاث ، منها : وإذا وعد أخلف . ومن أحكام الجهاد عن المسلمين أن لا يخفر للعدوّ بعهد
. والمعنى : إن كانوا يريدون من إظهار ميلهم إلى المسالمة خديعة فإنّ اللّه كافيك شرّهم . وليس هذا هو مقام نبذ العهد الذي في قوله :
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ
[ الأنفال : 58 ] فإنّ ذلك مقام ظهور أمارات الخيانة من العدوّ ، وهذا مقام إضمارهم الغدر دون أمارة على ما أضمروه .
فجملة :
فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ
دلّت على تكفّل كفايته ، وقد أريد منه أيضا الكناية عن عدم معاملتهم بهذا الاحتمال ، وأن لا يتوجّس منه خيفة ، وأنّ ذلك لا يضرّه .
والخديعة تقدّمت في قوله تعالى :
يُخادِعُونَ اللَّهَ
من سورة البقرة [ 9 ] .
« وحسب » معناه كاف وهو صفة مشبّهة بمعنى اسم الفاعل ، أي حاسبك ، أي كافيك وقد تقدّم قوله تعالى :
وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
في سورة آل عمران [ 173 ] .
وتأكيد الخبر ب ( إن ) مراعى فيه تأكيد معناه الكنائي ، لأنّ معناه الصريح ممّا لا يشكّ فيه أحد .
وجعل
حَسْبَكَ
مسندا إليه ، مع أنّه وصف ، وشأن الإسناد أن يكون للذات ، باعتبار أنّ الذي يخطر بالبال بادئ ذي بدء هو طلب من يكفيه .