تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
تعالى :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
[ السجدة : 11 ] - وقال -
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ
[ الأنفال : 50 ] . وجملة :
يَتَوَفَّوْنَهُمْ
في موضع الحال من
رُسُلُنا
وهي حال معلّلة لعاملها ، كقوله :
وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ
[ الأعراف : 61 ، 62 ] أي رسول لأبلّغكم ولأنصح لكم . والتّوفي نزع الرّوح من الجسد ، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى :
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
في سورة آل عمران [ 55 ] وهو المراد هنا ، ولا جدوى في حمله على غير هذا المعنى ، ممّا تردّد فيه المفسّرون ، إلّا أن المحافظة على معنى الغاية لحرف ( حتى ) فتوفي الرسل يجوز أن يكون المراد منه وقت أن يتوفوهم جميعا ، إن كان المراد بالنّصيب من الكتاب الاستئصال ، أي حين تبعث طوائف الملائكة لإهلاك جميع أمّة الشّرك . ويجوز أن يكون المراد حتى يتوفّون آحادهم في أوقات متفرّقة إن كان المراد بالنّصيب من الكتاب وعيد العذاب ، وعلى الوجهين فالقول محكي على وجه الجمع والمراد منه التّوزيع أي قال كلّ ملك لمن وكّل بتوفّيه ، على طريقة : ركب القوم دوابّهم . وقد حكي كلام الرّسل معهم وجوابهم إياهم بصيغة الماضي على طريقة المحاورة ، لأنّ وجود ظرف المستقبل قرينة على المراد . والاستفهام في قوله :
أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مستعمل في التّهكّم والتّأييس . و ( ما ) الواقعة بعد أين موصولة ، يعني : أين آلهتكم التي كنتم تزعمون أنّهم ينفعونكم عند الشّدائد ويردّون عنكم العذاب فإنّهم لم يحضروكم ، وذلك حين يشهدون العذاب عند قبض أرواحهم ، فقد جاء في حديث « الموطّأ » : أنّ الميّت يرى مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنّة فمن أهل الجنّة وإن كان من أهل النّار يقال له هذا مقعدك حتّى يبعثك اللّه . وهذا خطاب للأرواح التي بها الإدراك وهو قبل فتنة القبر . وقولهم :
ضَلُّوا عَنَّا
أي أتلفوا مواقعنا وأضاعونا فلم يحضروا ، وهذا يقتضي أنّهم لمّا يعلموا أنّهم لا يغنون عنهم شيئا من النّفع ، فظنّوا أنّهم أذهبهم ما أذهبهم وأبعدهم عنهم ما أبعدهم ، ولم يعلموا سببه ، لأنّ ذلك إنّما يتبيّن لهم يوم الحشر حين يرون إهانة أصنامهم وتعذيب كبرائهم ، ولذلك لم ينكروا في جوابهم أنّهم كانوا يدعونهم من دون اللّه