و ( أو ) ظاهرها التّقسيم فيكون الأظلم وهم المشركون فريقين : فريق افتروا على اللّه الكذب ، وهم سادة أهل الشّرك وكبراؤهم ، الذين شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه ، ونسبوه إلى اللّه وهم يعلمون ، مثل عمرو بن لحيّ ، وأبي كبشة ، ومن جاء بعدهما ، وأكثر هذا الفريق قد انقرضوا في وقت نزول الآية ، وفريق كذّبوا بآيات ولم يفتروا على اللّه وهم عامة المشركين ، من أهل مكّة وما حولها ، وعلى هذا فكلّ واحد من الفريقين لا أظلم منه ، لأنّ الفريق الآخر مساو له في الظلم وليس أظلم منه ، فأمّا من جمع بين الأمرين ممّن لعلّهم أن يكونوا قد شرعوا للمشركين أمورا من الضّلالات ، وكذّبوا محمّدا صلى اللّه عليه وسلّم ، فهم أشدّ ظلما ، ولكنّهم لمّا كانوا لا يخلون عن الانتساب إلى كلا الفريقين وجامعين للخصلتين لم يخرجوا من كونهم من الفريق الذين هم أظلم النّاس ، وهذا كقوله :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ الأنعام : 93 ] ، فلا شكّ أنّ الجامع بين الخصال الثّلاث هو أظلم من كلّ من انفرد بخصلة منها ، وذلك يوجب له زيادة في الأظلميّة ، لأنّ كلّ شدّة وصف قابلة للزّيادة .
ولك أن تجعل ( أو ) بمعنى الواو ، فيكون الموصوف بأنّه أظلم النّاس هو من اتّصف بالأمرين الكذب والتّكذيب ، ويكون صادقا على المشركين لأنّ جماعتهم لا تخلو عن ذلك .
شيء باسم الإشارة في قوله :
أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ
ليدلّ على أنّ المشار إليهم أحرياء بأن يصيبهم العذاب بناء على ما دلّ عليه التّفريع بالفاء .
وجملة
أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ
يجوز أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن الاستفهام في قوله :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
الآية ، لأنّ التّهويل المستفاد من الاستفهام يسترعي السّامع أن يسأل عمّا سيلاقونه من اللّه الذي افتروا عليه وكذّبوا بآياته .
ويجوز أن تكون جملة :
أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ
عطف بيان لجملة :
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
[ الأعراف : 36 ] أي خالدون الخلود الذي هو نصيبهم من الكتاب .
وتكملة هذه الجملة هي جملة :
حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ
الآية كما سيأتي .