تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وحمل كثير من المفسّرين النّصيب على ما ينالهم من الرّزق والإمهال في الدّنيا قبل نزول العذاب بهم وهو بعيد من معنى الفاء في قوله :
فَمَنْ أَظْلَمُ
ولا أحسب الحادي لهم على ذلك إلّا ليكون نوال النّصيب حاصلا في مدّة ممتدّة ليكون مجيء الملائكة لتوفّيهم غاية لانتهاء ذلك النّصيب ، استبقاء لمعنى الغاية الحقيقيّة في ( حتّى ) . وذلك غير ملتزم ، فإنّ حتّى الابتدائيّة لا تفيد من الغاية ما تفيده العاطفة كما سنذكره . والمعنى : إمّا أنّ كل واحد من المشركين سيصيبه ما توعدهم اللّه به من الوعيد على قدر عتوه في تكذيبه وإعراضه ، فنصيبه هو ما يناسب حاله عند اللّه من مقدار عذابه ، وإمّا أن مجموع المشركين سيصيبهم ما قدر لأمثالهم من الأمم المكذّبين للرّسل المعرضين عن الآيات من عذاب الدّنيا ، فلا يغرّنهم تأخير ذلك لأنّه مصيبهم لا محالة عند حلول أجله ، فنصيبهم هو صفة عذابهم من بين صفات العذاب التي عذّبت بها الأمم . وجملة :
حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا
تفصيل لمضمون جملة
يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ
فالوقت الذي أفاده قوله :
إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ
هو مبدأ وصف نصيبهم من الكتاب حين ينقطع عنهم الإمهال الذي لقوه في الدّنيا . و
حَتَّى
ابتدائيّة لأنّ الواقع بعدها جملة فتفيد السّببيّة ، فالمعنى : ف
إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا
إلخ ، و ( حتّى ) الابتدائية لها صدر الكلام فالغاية التي تدلّ عليها هي غاية ما يخبر به المخبر ، وليست غاية ما يبلغ إليه المعطوف عليه بحتّى ، لأنّ ذلك إنّما يلتزم إذا كانت حتّى عاطفة ، ولا تفيد إلّا السّببيّة كما قال ابن الحاجب فهي لا تفيد أكثر من تسبّب ما قبلها فيما بعدها ، قال الرضي ؛ قال المصنف : وإنّما وجب مع الرّفع السّببيّة لأنّ الاتّصال اللّفظي لمّا زال بسبب الاستئناف شرط السّببيّة التي هي موجبة للاتّصال المعنوي ، جبرا لما فات من الاتّصال اللّفظي ، قال عمرو بن شأس :
نذود الملوك عنكم وتذودنا * ولا صلح حتّى تضبعون ونضبعا
وقد تقدّم بعض هذا عند قوله تعالى :
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ
في سورة الأنعام [ 31 ] و ( حتّى ) الابتدائيّة تدلّ على أنّ مضمون الكلام الّذي بعدها أهمّ بالاعتناء للإلقاء عند المتكلّم لأنّه أجدى في الغرض المسوق له الكلام ، وهذا الكلام الواقع هنا بعد ( حتّى ) فيه تهويل ما يصيبهم عند قبض أرواحهم ، وهو أدخل في تهديدهم وترويعهم وموعظتهم ، من الوعيد المتعارف ، وقد هدّد القرآن المشركين بشدائد الموت عليهم في آيات كثيرة لأنّهم كانوا يرهبونه . والرّسل هم الملائكة قال