تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
بقرينة إضافته إلى ضمير الجمع . وأظهر لفظ أجل في قوله :
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ
ولم يكتف بضميره لزيادة تقرير الحكم عليه ، ولتكون هذه الجملة مستقلّة بنفسها غير متوقّفة عن سماع غيرها لأنّها بحيث تجري مجرى المثل ، وإرسال الكلام الصّالح لأن يكون مثلا طريق من طرق البلاغة . و
يَسْتَأْخِرُونَ
: و
يَسْتَقْدِمُونَ
بمعنى : يتأخّرون ويتقدّمون ، فالسّين والتّاء فيهما للتّأكيد مثل استجاب . والمعنى : إنّهم لا يتجاوزونه بتأخير ولا يتعجّلونه بتقديم . والمقصود أنّهم لا يؤخّرون عنه ، فعطف
وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
لبيان أن ما علمه اللّه وقدّره على وفق علمه لا يقدر أحد على تغييره وصرفه ، فكان قوله :
وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
لا تعلّق له بغرض التّهديد . وقريب من هذا قول أبي الشيص :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخّر عنه ولا متقدّم
وكلّ ذلك مبني على تمثيل حالة الذي لا يستطيع التّخلّص من وعيد أو نحوه بهيئة من احتبس بمكان لا يستطيع تجاوزه إلى الأمام ولا إلى الوراء . [ 35 ، 36 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 35 إلى 36 ]

يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 35 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 36 ) يجيء في موقع هذه الجملة : من التّأويل ، ما تقدّم في القول في نظيرتها وهي قوله تعالى :
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ
[ الأعراف : 26 ] . والتّأويل الذي استظهرنا به هنالك يبدو في هذه النظيرة الرّابعة أوضح . وصيغة الجمع في قوله :
رُسُلٌ
- وقوله -
يَقُصُّونَ
تقتضي توقّع مجيء عدّة رسل ، وذلك منتف بعد بعثة الرّسول الخاتم للرّسل الحاشر العاقب عليه الصّلاة والسّلام ، فذلك يتأكّد أن يكون هذا الخطاب لبني آدم الحاضرين وقت نزول القرآن ، ويرجح أن تكون هذه النّداءات الأربعة حكاية لقول موجّه إلى بني آدم الأوّلين الذي أوّله :
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ
[ الأعراف : 25 ] . قال ابن عطيّة : « وكأنّ هذا خطاب لجميع الأمم ، قديمها وحديثها ، هو متمكّن لهم ،