تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
ومتحصّل منه لحاضري محمّد صلى اللّه عليه وسلّم أنّ هذا حكم اللّه في العالم منذ أنشأه » يريد أنّ اللّه أبلغ النّاس هذا الخطاب على لسان كلّ نبيء ، من آدم إلى هلم جرّا ، فما من نبيء أو رسول إلّا وبلّغه أمّته ، وأمرهم بأن يبلغ الشّاهد منهم الغائب ، حتّى نزل في القرآن على محمّد صلى اللّه عليه وسلّم فعلمت أمّته أنّها مشمولة في عموم بني آدم . وإذا كان ذلك متعيّنا في هذه الآية أو كالمتعيّن تعيّن اعتبار مثله في نظائرها الثّلاث الماضية ، فشد به يدك . ولا تعبأ بمن حردك . فأما إذا جعل الخطاب في هذه الآية موجّها إلى المشركين في زمن النّزول ، بعنوان كونهم من بني آدم ، فهنالك يتعيّن صرف معنى الشّرط إلى ما يأتي من الزّمان بعد نزول الآية لأنّ الشّرط يقتضي الاستقبال غالبا . كأنّه قيل إن فاتكم اتّباع ما أنزل إليكم فيما مضى لا يفتكم فيما بقي ، ويتعيّن تأويل يأتينّكم بمعنى يدعونّكم ، ويتعيّن جعل جمع الرّسل على إرادة رسول واحد ، تعظيما له ، كما في قوله تعالى :
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ
[ الفرقان : 37 ] أي كذّبوا رسوله نوحا ، وقوله :
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ
[ الشعراء : 105 ] وله نظائر كثيرة في القرآن . وهذه الآية ، والتي بعدها متّصلتا المعنى بمضمون قوله تعالى في أوّل السّورة :
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
[ الأعراف : 4 ] الآية اتّصال التّفصيل بإجماله . أكد به تحذيرهم من كيد الشّيطان وفتونه ، وأراهم به مناهج الرّشد التي تعين على تجنّب كيده ، بدعوة الرّسل إياهم إلى التّقوى والإصلاح ، كما أشار إليه بقوله ، في الخطاب السّابق :
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
[ الأعراف : 27 ] وأنبأهم بأنّ الشّيطان توعّد نوع الإنسان فيما حكى اللّه في قوله :
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الأعراف : 16 ] الآية فلذلك حذّر اللّه بني آدم من كيد الشّيطان ، وأشعرهم بقوّة الشّيطان بقوله :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
[ الأعراف : 27 ] عسى أن يتّخذوا العدّة للنّجاة من مخالب فتنته ، وأردف ذلك بالتّحذير من حزبه ودعاته الذين يفتنون المؤمنين ، ثمّ عزّز ذلك بإعلامه إياهم أنّه أعانهم على الاحتراز من الشّيطان ، بأن يبعث إليهم قوما من حزب اللّه يبلّغونهم عن اللّه ما فيه منجاة لهم من كيد الشّياطين ، بقوله :
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
الآية فأوصاهم بتصديقهم والامتثال لهم . و
إِمَّا
مركّبة من ( إن ) الشّرطيّة و ( ما ) الزائدة المؤكّدة لمعنى الشّرطية ، واصطلح
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 82 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور