تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
موسى كلامهم ، وكان جوابه بعنف وغلظة بقوله :
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
لأن ذلك هو المناسب لحالهم . والجهل : انتفاء العلم أو تصور الشيء على خلاف حقيقته ، وتقدم في قوله تعالى :
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ
في سورة النساء [ 17 ] ، والمراد جهلهم بمفاسد عبادة الأصنام ، وكان وصف موسى إياهم بالجهالة مؤكدا لما دلت عليه الجملة الاسمية من كون الجهالة صفة ثابتة فيهم وراسخة من نفوسهم ، ولولا ذلك لكان لهم في بادئ النظر زاجر عن مثل هذا السؤال ، فالخبر مستعمل في معنييه : الصريح والكناية ، مكنى به عن التعجب من فداحة جهلهم . وفي الإتيان بلفظ
قَوْمٍ
وجعل ما هو مقصود بالإخبار وصفا لقوم ، تنبيه على أن وصفهم بالجهالة كالمتحقق المعلوم الداخل في تقويم قوميتهم ، وفي الحكم بالجهالة على القوم كلهم تأكيد للتعجب من حال جهالتهم وعمومها فيهم بحيث لا يوجد فيهم من يشذ عن هذا الوصف مع كثرتهم ، ولأجل هذه الغرابة أكد الحكم ( بأن ) لأن شأنه أن يتردد في ثبوته السامع . وجملة
إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ
بمعنى التعليل لمضمون جملة
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
فلذلك فصلت عنها وقد أكدت وجعلت اسمية لمثل الأغراض التي ذكرت في أختها ، وقد عرّف المسند إليه بالإشارة لتمييزهم بتلك الحالة التي هم متلبسون بها أكمل تمييز ، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما يرد بعد اسم الإشارة من الأوصاف وهي كونهم متبرا أمرهم وباطلا عملهم ، وقدم المسند وهو
مُتَبَّرٌ
على المسند إليه وهو
ما هُمْ فِيهِ
ليفيد تخصيصه بالمسند إليه أي : هم المعرضون للتّبار وأنه لا يعدوهم البتة ، وأنه لهم ضربة لازب ، ولا يصح أن يجعل
مُتَبَّرٌ
مسندا إليه لأن المقصود بالإخبار هو ما هم فيه . والمتبّر : المدمّر ، والتّبار - بفتح التاء - الهلاك
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً
[ نوح : 28 ] . يقال نبر الشيء - كضرب وتعب وقتل - وتبّره تضعيف للتعدية ، أي أهلكه والتتبير مستعار هنا لفساد الحال ، فيبقى اسم المفعول على حقيقته في أنه وصف للموصوف به في زمن الحال . ويجوز أن يكون التتبير مستعارا لسوء العاقبة ، شبه حالهم المزخرف ظاهره بحال الشيء البهيج الآئل إلى الدمار والكسر فيكون اسم المفعول مجازا في الاستقبال ، أي صائر إلى السوء .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 266 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور