تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
الكفران . والمجاوزة : البعد عن المكان عقب المرور فيه ، يقال : جاوز بمعنى جاز ، كما يقال : عالي بمعنى علا ، وفعله متعد إلى واحد بنفسه وإلى المفعول الثاني بالباء فإذا قلت : جزت به ، فأصل معناه أنك جزته مصاحبا في الجواز به للمجرور بالباء ، ثم استعيرت الباء للتعدية يقال : جزت به الطريق إذا سهلت له ذلك وإن لم تسر معه ، فهو بمعنى أجزته ، كما قالوا : ذهبت به بمعنى أذهبته ، فمعنى قوله هنا :
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ
قدرنا لهم جوازه ويسّرناه لهم . والبحر هو بحر القلزم - المعروف اليوم بالبحر الأحمر - وهو المراد باليمّ في الآية السابقة ، فالتعريف للعهد الحضوري ، أي البحر المذكور كما هو شأن المعرفة إذا أعيدت معرفة ، واختلاف اللفظ تفنن ، وتجنبا للإعادة ، والمعنى : أنهم قطعوا البحر وخرجوا على شاطئه الشرقي . و
فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ
معناه أتوا قوما ، ولما ضمن
فَأَتَوْا
معنى مروا عدي بعلى ، لأنهم لم يقصدوا الإقامة في القوم ، ولكنهم ألفوهم في طريقهم . والقوم هم الكنعانيون ويقال لهم عند العرب العمالقة ويعرفون عند متأخري المؤرخين بالفنيقيين . والأصنام كانت صور البقر ، وقد كان البقر يعبد عند الكنعانيين ، أي الفنيقيين باسم ( بعل ) ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى :
ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ
في سورة البقرة [ 51 ] . والعكوف : الملازمة بنية العبادة ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
في سورة البقرة [ 187 ] ، وتعدية العكوف بحرف ( على ) لما فيه من معنى النزول وتمكنه كقوله :
قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ
[ طه : 91 ] . وقرئ
يَعْكُفُونَ
- بضم الكاف - للجمهور ، وبكسرها لحمزة والكسائي ، وخلف ، وهما لغتان في مضارع عكف . واختير طريق التنكير في أصنام ووصفه بأنها لهم ، أي القوم دون طريق الإضافة ليتوسل بالتنكير إلى إرادة تحقير الأصنام وأنها مجهولة ، لأن التنكير يستلزم خفاء المعرفة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 264 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور