تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
والتّعريف في
الْمُفْلِحُونَ
للجنس أو العهد وقد تقدّم في تقدّم في قوله تعالى :
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
في سورة البقرة [ 5 ] . وما صدق ( من ) واحد لقوله :
مَوازِينُهُ
، وإذ قد كان هذا الواحد غير معيّن ، بل هو كلّ من تحقّق فيه مضمون جملة الشّرط ، فهو عام صح اعتباره جماعة في الإشارة والضّميرين من قوله :
فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
. والإتيان بالإشارة للتّنبيه على أنّهم إنّما حصلوا الفلاح لأجل ثقل موازينهم ، واختير اسم إشارة البعد تنبيها على البعد المعنوي الاعتباري . وضمير الفصل لقصد الانحصار أي هم الذين انحصر فيهم تحقّق المفلحين ، أي إن علمت جماعة تعرف بالمفلحين فهم هم . والخسران حقيقته ضد الرّبح ، وهو عدم تحصيل التّاجر على ما يستفضله من بيعه ، ويستعار لفقدان نفع ما يرجى منه النّفع ، فمعنى
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
فقدوا فوائدها ، فإن كلّ أحد يرجو من مواهبه ، وهي مجموع نفسه ، أن تجلب له النّفع وتدفع عنه الضرّ : بالرأي السّديد ، وابتكار العمل المفيد ، ونفوس المشركين قد سوّلت لهم أعمالا كانت سبب خفّة موازين أعمالهم ، أي سبب فقد الأعمال الصّالحة منهم ، فكانت نفوسهم كرأس مال التّاجر الذي رجا منه زيادة الرّزق فأضاعه كلّه فهو خاسر له ، فكذلك هؤلاء خسروا أنفسهم إذ أوقعتهم في العذاب المقيم ، وانظر ما تقدّم في قوله تعالى :
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ *
في سورة الأنعام [ 20 ] . وقوله تعالى :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
في سورة البقرة [ 16 ] . والباء في قوله :
بِما كانُوا
باء السّببيّة ، وما مصدرية أي بكونهم ظلموا بآياتنا في الدّنيا ، فصيغة المضارع في قوله :
يَظْلِمُونَ
لحكاية حالهم في تجدّد الظلم فيما مضى كقوله تعالى :
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ
[ فاطر : 9 ] . والظلم - هنا - ضدّ العدل : أي يظلمون الآيات فلا ينصفونها حقّها من الصدق . وضمن
يَظْلِمُونَ
معنى يكذّبون ، فلذلك عدّي بالباء ، فكأنّه قيل : بما كانوا يظلمون فيكذبون بآياتنا على حد قوله تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
[ النمل : 14 ] . وإنّما جعل تكذيبهم ظلما لأنّه تكذيب ما قامت الأدلّة على صدقة فتكذيبه ظلم للأدلّة