تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
وقد دلّ على إرادة التّفصيل تنكير علم في قوله :
بِعِلْمٍ
أي علم عظيم ، فإنّ تنوين ( علم ) للتعظيم ، وكمال العلم إنّما يظهر في العلم بالأمور الكثيرة ، وزاد ذلك بيانا قوله :
وَما كُنَّا غائِبِينَ
الذي هو بمعنى : لا يعزب عن علمنا شيء يغيب عنّا ونغيب عنه . والقصّ : الاخبار ، يقال : قصّ عليه ، بمعنى أخبره ، وتقدّم في قوله تعالى :
يَقُصُّ الْحَقَّ
في سورة الأنعام [ 57 ] . وجملة :
وَما كُنَّا غائِبِينَ
معطوف على
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ
، وهي في موقع التّذييل . والغائب ضدّ الحاضر ، وهو هنا كناية عن الجاهل ، لأنّ الغيبة تستلزم الجهالة عرفا ، أي الجهالة بأحوال المغيب عنه ، فإنّها ولو بلغته بالأخبار لا تكون تامة عنده مثل المشاهد ، أي : وما كنّا جاهلين بشيء من أحوالهم ، لأنّنا مطّلعون عليهم ، وهذا النّفي للغيبة مثل إثبات المعيّة في قوله تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
[ الحديد : 4 ] . وإثبات سؤال الأمم هنا لا ينافي نفيه في قوله تعالى :
وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
[ القصص : 78 ] - وقوله -
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
[ الرحمن : 39 ] لأنّ المسؤول عنه هنا هو التّبليغ والمنفيّ في الآيتين الأخريين هو السّؤال لمعرفة تفاصيل ذنوبهم ، وهو الذي أريد هنا في قوله :
وَما كُنَّا غائِبِينَ
. [ 8 ، 9 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 8 إلى 9 ]

وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ( 9 ) عطف جملة :
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ
على جملة
فَلَنَقُصَّنَّ
[ الأعراف : 7 ] ، لما تضمّنته المعطوف عليها من العلم بحسنات النّاس وسيّئاتهم ، فلا جرم أشعرت بأنّ مظهر ذلك العلم وأثره هو الثّواب والعقاب ، وتفاوت درجات العاملين ودركاتهم تفاوتا لا يظلم العامل فيه مثقال ذرّة ، ولا يفوت ما يستحقّه إلّا أن يتفضّل اللّه على أحد برفع درجة أو مغفرة زلة لأجل سلامة قلب أو شفاعة أو نحو ذلك ، ممّا اللّه أعلم به من عباده ، فلذلك عقبت جملة :
فَلَنَقُصَّنَّ
[ الأعراف : 7 ] بجملة :
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ
فكأنّه قيل : فلنقصنّ عليهم بعلم ولنجازينّهم على أعمالهم جزاء لا غبن فيه على أحد . والتّنوين في قوله :
يَوْمَئِذٍ
عوض عن مضاف إليه دلّ عليه :
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 22 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور