تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
بدحضها وعدم إعمالها . وتقديم المجرور في قوله :
بِآياتِنا
على عامله ، وهو
يَظْلِمُونَ
، للاهتمام بالآيات . وقد ذكرت الآية حال المؤمنين الصّالحين وحال المكذّبين المشركين إذ كان النّاس يوم نزول الآية فريقين : فريق المؤمنين ، وهم كلّهم عاملون بالصّالحات ، مستكثرون منها ، وفريق المشركين وهم أخلياء من الصّالحات ، وبقي بين ذلك فريق من المؤمنين الذين يخلطون عملا صالحا وآخر سيّئا وذلك لم تتعرّض له هذه الآية ، إذ ليس من غرض المقام ، وتعرّضت له آيات آخري . [ 10 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 10 ]

وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 10 ) عطف على جملة :
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
[ الأعراف : 3 ] فهذا تذكير لهم بأنّ اللّه هو ولي الخلق ، لأنّه خالقهم على وجه الأرض ، وخالق ما به عيشهم الذي به بقاء وجودهم إلى أجل معلوم ، وتوبيخ على قلّة شكرها ، كما دلّ عليه تذييل الجملة بقوله :
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
فإنّ النّفوس التي لا يزجرها التّهديد قد تنفعها الذكريات الصّالحة ، وقد قال أحد الخوارج وطلب منه أن يخرج إلى قتال الحجّاج بن يوسف وكان قد أسدى إليه نعما :
أأقاتل الحجّاج عن سلطانه * بيد تقرّ بأنّها مولاته
وتأكيد الخبر بلام القسم وقد ، المفيد للتّحقيق ، تنزيل للذين هم المقصود من الخطاب منزّلة من ينكر مضمون الخبر لأنّهم لما عبدوا غير اللّه كان حالهم كحال من ينكر أنّ اللّه هو الذي مكّنهم من الأرض ، أو كحال من ينكر وقوع التمكين من أصله . والتّمكين جعل الشّيء في مكان ، وهو يطلق على الإقدار على التّصرف ، على سبيل الكناية ، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى :
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ
في سورة الأنعام [ 6 ] وهو مستعمل هنا في معناه الكنائي لا الصّريح ، أي جعلنا لكم قدرة ، أي أقدرناكم على أمور الأرض وخوّلناكم التّصرف في مخلوقاتها ، وذلك بما أودع اللّه في البشر من قوّة العقل والتفكير التي أهلته لسيادة هذا العالم والتّغلب على مصاعبه ، وليس المراد من التّمكين هنا القوّة والحكم كالمراد في قوله تعالى :
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ
[ الكهف : 84 ] لأنّ ذلك ليس حاصلا بجميع البشر إلّا على تأويل ، وليس المراد بالتمكين أيضا معناه الحقيقي وهو جعل المكان في الأرض لأنّ قوله :
فِي الْأَرْضِ
يمنع من
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 26 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور