الشّرط فإنّ ( لم ) صريحة في المضيّ ، وهذا مثل قوله تعالى :
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
[ المائدة : 116 ] بقرينة . ( قد ) إذ الماضي المدخول لقد لا يقلب إلى معنى المستقبل .
فالمعنى : إن تبيّن أن طائفة آمنوا وطائفة كفروا فسيحكم اللّه بيننا فاصبروا حتّى يحكم ويؤول المعنى : إن اختلفتم في تصديقي فسيظهر الحكم بأنّي صادق .
وليست ( إن ) بمفيدة الشكّ في وقوع الشّرط كما هو الشان ، بل اجتلبت هنا لأنّها أصل أدوات الشّرط ، وإنّما يفيد معنى الشكّ أو ما يقرب منه إذا وقع العدول عن اجتلاب ( إذا ) حين يصحّ اجتلابها ، فأمّا إذا لم يصحّ اجتلاب ( إذا ) فلا تدلّ ( إن ) على شكّ وكيف تفيد الشكّ مع تحقّق المضي ، ونظيره قول النّابغة :
لئن كنت قد بلّغت عنّي وشاية * لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب
والصّبر : حبس النّفس في حال التّرقب ، سواء كان ترقب محبوب أم ترقب مكروه ، وأشهر استعماله أن يطلق على حبس النّفس في حال فقدان الأمر المحبوب ، وقد جاء في هذه الآية مستعملا في القدر المشترك لأنّه خوطب به الفريقان : المؤمنون والكافرون ، وصبر كلّ بما يناسبه ، ولعلّه رجح فيه حال المؤمنين ، ففيه إيذان بأنّ الحكم المترقّب هو في منفعة المؤمنين ، وقد قال بعض المفسّرين : إنّه خطاب للمؤمنين خاصة .
و
حَتَّى
تفيد غاية للصّبر ، وهي مؤذنة بأن التّقدير : وإن كان طائفة منكم آمنوا وطائفة لم يؤمنوا فسيحكم اللّه بيننا فاصبروا حتّى يحكم .
وحكم اللّه أريد به حكم في الدّنيا بإظهار أثر غضبه على أحد الفريقين ورضاه على الذين خالفوهم ، فيظهر المحقّ من المبطل ، وهذا صدر عن ثقة شعيب عليه السّلام بأنّ اللّه سيحكم بينه وبين قومه استنادا لوعد اللّه إياه بالنّصر على قومه ، أو لعلمه بسنّة اللّه في رسله ومن كذّبهم بإخبار اللّه تعالى إياه بذلك ، ولولا ذلك لجاز أن يتأخر الحكم بين الفريقين إلى يوم الحساب ، وليس هو المراد من كلامه لأنّه لا يناسب قوله :
فَاصْبِرُوا
إذا كان خطابا للفريقين ، فإن كان خطابا للمؤمنين خاصة صحّ إرادة الحكمين جميعا .
وأدخل نفسه في المحكوم بينهم بضمير المشاركة لأنّ الحكم المتعلّق بالفريق الذين آمنوا به يعتبر شاملا له لأنّه مؤمن برسالة نفسه .