تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
إلى الإيمان وإلى أنه شرط في صلاح الأعمال ، وبمناسبة ذكر الإيمان عاد إلى النهي عن صد الراغبين فيه ، فهذا مثل الترتيب في قول امرئ القيس :
كأنّي لم اركب جوادا للذّة * ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبإ الراح الكميت ولم أقل * لخيلي كري كرّة بعد إجفال
روى الواحدي في « شرح ديوان المتنبي » أن المتنبي لما أنشد سيف الدولة قوله فيه :
وقفت وما في الموت شكّ لواقف * كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمي حزينة * ووجهك وضّاح وثغرك باسم
أنكر عليه سيف الدولة تطبيق عجزي البيتين على صدريهما ، وقال له كان ينبغي أن تجعل العجز الثاني عجزا للأول والعكس وأنت في هذا مثل امرئ القيس في قوله : كأنّي لم أركب جوادا للذة البيتين ، ووجه الكلام على ما قاله العلماء بالشّعر : أن يكون عجز البيت الأوّل للثّاني وعجز البيت الثّاني للأوّل ؛ ليكون ركوب الخيل مع الأمر للخيل بالكر ، ويكون سباء الخمر مع تبطّن الكاعب ، فقال أبو الطّيّب : « إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلم منه بالشّعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا ، ومولانا الأمير يعلم أنّ الثّوب لا يعرفه البزّاز معرفة الحائك ، لأنّ البزّاز لا يعرف إلّا جملته ، والحائك يعرف جملته وتفصيله ، لأنّه أخرجه من الغزليّة إلى الثّوبيّة ، وإنّما قرن امرؤ القيس لذة النّساء بلذّة الرّكوب للصّيد وقرن السّماحة في شراء الخمر للأضياف بالشّجاعة في منازلة الأعداء ، وأنا لمّا ذكرت الموت في أوّل البيت أتبعته بذكر الردى لتجانسه ، ولمّا كان وجه المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسا وعينه من أن تكون باكية قلت : « ووجهك وضّاح وثغرك باسم » لأجمع بين الأضداد في المعنى . وهو يعني بهذا أن وجوه المناسبة في نظم الكلام تختلف وتتعدّد ، وإنّ بعضا يكون أرجح من بعض . وذكّرهم شعيب عليه السّلام عقب ذلك بتكثير اللّه إياهم بعد أن كانوا قليلا ، وهي نعمة عليهم ، إذ صاروا أمّة بعد أن كانوا معشرا . ومعنى تكثير اللّه إياهم تيسيره أسباب الكثرة لهم بأن قوّى فيهم قوّة التّناسل ،