تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
أي يعاونه ويوافقه ، ويطلق الملأ على أشراف القوم وقادتهم لأنّ شأنهم أن يكون رأيهم واحدا عن تشاور ، وهذا المعنى هو المناسب في هذه الآية بقرينة ( من ) الدّالة على التّبعيض أي أنّ قادة القوم هم الذين تصدّوا لمجادلة نوح والمناضلة عن دينهم بمسمع من القوم الذين خاطب جميعهم ، والرّؤية قلبيّة بمعنى العلم ، أي أنّا لنوقن أنّك في ضلال مبين ولم يوصف الملأ هنا بالذين كفروا ، أو بالذين استكبروا كما وصف الملأ في قصّة هود بالذين كفروا استغناء بدلالة المقام على أنّهم كذّبوا وكفروا . وظرفية
فِي ضَلالٍ
مجازية تعبيرا عن تمكّن وصف الضّلال منه حتّى كأنّه محيط به من جوانبه إحاطة الظرف بالمظروف . « والضّلال » اسم مصدر ضلّ إذا أخطأ الطّريق الموصّل ، « والمبين » اسم فاعل من أبان المرادف بان ، وذلك هو الضّلال البالغ الغاية في البعد عن طريق الحقّ ، وهذه شبهة منهم فإنّهم توهّموا أنّ الحقّ هو ما هم عليه ، فلا عجب إذا جعلوا ما بعد عنه بعدا عظيما ضلالا بيّنا لأنّه خالفهم ، وجاء بما يعدّونه من المحال ، إذ نفى الإلهية عن آلهتهم ، فهذه مخالفة ، وأثبتها للّه وحده ، فإن كانوا وثنيين فهذه مخالفة أخرى ، وتوعدهم بعذاب على ذلك وهذه مخالفة أيضا ، وإن كان العذاب الذي توعدهم به عذاب الآخرة فقد أخبرهم بأمر محال عندهم وهو البعث ، فهي مخالفة أخرى ، فضلاله عندهم مبين ، وقد يتفاوت ظهوره ، وادّعى أنّ اللّه أرسله وهذا في زعمهم تعمد كذب وسفاهة عقل وادعاء محال كما حكي عنهم في قوله تعالى :
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ
[ الأعراف : 66 ] - وقوله هنا -
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ
[ الأعراف : 63 ] الآية . [ 61 - 63 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 61 ]

قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 61 ) [ 62 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 62 ]

أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 62 ) [ 63 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 63 ]

أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 63 ) فصلت جملة :
قالَ
على طريقة فصل المحاورات . والنّداء في جوابه إياهم للاهتمام بالخبر ، ولم يخصّ خطابه بالذين جاوبوه ، بل أعاد الخطاب إلى القوم كلّهم ، لأنّ جوابه مع كونه مجادلة للملإ من قومه هو أيضا يتضمّن دعوة عامة ، كما هو بيّن ، وتقدّم آنفا نكتة التّعبير في ندائهم بوصف القوم المضاف إلى ضميره ، فأعاد ذلك مرّة ثانية