جاءت أغراض هذه السّورة متناسبة متماسكة ، فإنّها ابتدئت بذكر القرآن والأمر باتّباعه ونبذ ما يصدّ عنه وهو اتّباع الشّرك ؛ ثمّ التّذكير بالأمم التي أعرضت عن طاعة رسل اللّه ، ثمّ الاستدلال على وحدانية اللّه ، والامتنان بخلق الأرض والتّمكين منها ، وبخلق أصل البشر وخلقهم ، وخلل ذلك بالتّذكير بعداوة الشّيطان لأصل البشر وللبشر في قوله :
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الأعراف : 16 ] . وانتقل من ذلك إلى التّنديد على المشركين فيما اتّبعوا فيه تسويل الشّيطان من قوله :
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً
[ الأعراف :
28 ] ، ثمّ بتذكيرهم بالعهد الذي أخذه اللّه على البشر في قوله :
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
[ الأعراف : 35 ] الآية . وبأن المشركين ظلموا بنكث العهد بقوله :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ
[ الأعراف : 37 ] وتوعدهم وذكّرهم أحوال أهل الآخرة ، وعقب ذلك عاد إلى ذكر القرآن بقوله :
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ
[ الأعراف : 52 ] وأنهاه بالتّذييل بقوله :
قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
[ الأعراف : 53 ] .
فلا جرم تهيأت الأسماع والقلوب لتلقي الحجّة على أنّ اللّه إله واحد ، وأنّ آلهة المشركين ضلال وباطل ، ثمّ لبيان عظيم قدرته ومجده فلذلك استؤنف بجملة
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
الآية ، استئنافا ابتدائيا عاد به التّذكير إلى صدر السّورة في قوله :
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ
[ الأعراف : 3 ] ، فكان ما في صدر السّورة بمنزلة المطلوب المنطقي ، وكان ما بعده بمنزلة البرهان ، وكان قوله :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
بمنزلة النّتيجة للبرهان ، والنتيجة مساوية للمطلوب إلّا أنّها تؤخذ أوضح وأشد تفصيلا .
فالخطاب موجّه إلى المشركين ابتداء ، ولذلك كان للتّأكيد بحرف ( إنّ ) موقعه لرد إنكار المشركين انفراد اللّه بالرّبوبية . وإذ كان ما اشتملت عليه هذه الآية يزيد المسلمين بصيرة بعظم مجد اللّه وسعة ملكه ، ويزيدهم ذكرى بدلائل قدرته ، كان الخطاب صالحا لتناول المسلمين ، لصلاحية ضمير الخطاب لذلك ، ولا يكون حرف ( إن ) بالنّسبة إليهم سدى ، لأنّه يفيد الاهتمام بالخبر ، لأنّ فيه حظا للفريقين ، ولأنّ بعض ما اشتمل عليه ( ما ) هو بالمؤمنين أعلق مثل
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
[ الأعراف : 55 ] وقوله :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] وبعضه بالكافرين أنسب مثل قوله :
كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[ الأعراف : 57 ] .