تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
فعلى الوجه الأول يكون قوله
ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
زيادة في التهديد والوعيد . وعلى الوجه الثاني يكون تحريضا لهم على الإيمان ليلقوا جزاءه حين يرجعون إلى اللّه . ويجوز أن يكون الوقف عند قوله تعالى :
يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
. وتمّ التمثيل هنالك . ويكون قوله :
ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
استطرادا تخلّص به إلى قرع أسماعهم بإثبات الحشر الذي يقع بعد البعث الحقيقي ، فيكون البعث في قوله :
يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
مستعملا في حقيقته ومجازه . وقريب منه في التخلّص قوله تعالى :
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
في سورة البقرة [ 73 ] . [ 37 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 37 ]

وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) عطف على جملة :
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ
[ الأنعام : 35 ] الآيات ، وهذا عود إلى ما جاء في أول السورة [ 4 ] من ذكر إعراضهم عن آيات اللّه بقوله
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ
. ثم ذكر ما تفنّنوا به من المعاذير من قولهم :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
[ الأنعام : 8 ] وقوله :
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها
[ الأنعام : 25 ] أي وقالوا : لولا أنزل عليه آية ، أي على وفق مقترحهم ، وقد اقترحوا آيات مختلفة في مجادلات عديدة . ولذلك أجملها اللّه تعالى هنا اعتمادا على علمها عند الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين ، فقال :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ
. فجملة :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ
وقع عطفها معترضا بين جملة
وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
[ الأنعام : 36 ] وجملة
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[ الأنعام : 38 ] إلخ . وفي الإتيان بفعل النزول ما يدلّ على أنّ الآية المسئولة من قبيل ما يأتي من السماء ، مثل قولهم
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
[ الأنعام : 8 ] وقولهم :
وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ
[ الإسراء : 93 ] وشبه ذلك . وجرّد
نُزِّلَ
من علامة التأنيث لأنّ المؤنّث الذي تأنيثه لفظي بحت يجوز تجريد فعله من علامة التأنيث ؛ فإذا وقع بين الفعل ومرفوعه فاصل اجتمع مسوّغان لتجريد الفعل من علامة التأنيث ، فإنّ الفصل بوحده مسوّغ لتجريد الفعل من العلامة . وقد صرّح في « الكشاف » بأنّ تجريد الفعل عن علامة التأنيث حينئذ حسن . و
لَوْ لا
حرف تحضيض بمعنى ( هلّا ) . والتحضيض هنا لقطع الخصم وتعجيزه ،