تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
وقوله :
يَسْتَجِيبُ
بمعنى يجيب ، فالسين والتاء زائدان للتأكيد ؛ وقد تقدّم الكلام على هذا الفعل عند قوله تعالى :
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ
في سورة آل عمران [ 195 ] . وحذف متعلّق
يَسْتَجِيبُ
لظهوره من المقام لأنّ المقام مقام الدعوة إلى التوحيد وتصديق الرسول . ومعنى
يَسْمَعُونَ
، أنّهم يفقهون ما يلقى إليهم من الإرشاد لأنّ الضالّين كمن لا يسمع . فالمقصود سمع خاصّ وهو سمع الاعتبار . أمّا قوله :
وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
فالوجه أنّه مقابل ل
الَّذِينَ يَسْمَعُونَ
. ولذلك حسن عطف هذه الجملة على جملة :
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ
. فمعنى الكلام : وأمّا المعرضون عنك فهم مثل الموتى فلا يستجيبون ، كقوله :
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى
[ النمل : 80 ] . فحذف من الكلام ما دلّ عليه السياق ، فإنّ الذي لا يسمع قد يكون فقدان سمعه من علّة كالصمم ، وقد يكون من عدم الحياة ، كما قال عبد الرحمن بن الحكم الثقفي :
لقد أسمعت لو ناديت حيّا * ولكن لا حياة لمن تنادي
فتضمّن عطف
وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
تعريضا بأنّ هؤلاء كالأموات لا ترجى منهم استجابة . وتخلّص إلى وعيدهم بأنّه يبعثهم بعد موتهم ، أي لا يرجى منهم رجوع إلى الحقّ إلى أن يبعثوا ، وحينئذ يلاقون جزاء كفرهم .
وَالْمَوْتى
استعارة لمن لا ينتفعون بعقولهم ومواهبهم في أهمّ الأشياء ، وهو ما يرضي اللّه تعالى . و
يَبْعَثُهُمُ
على هذا حقيقة ، وهو ترشيح للاستعارة ، لأنّ البعث من ملائمات المشبّه به في العرف وإن كان الحي يخبر عنه بأنه يبعث ، أي بعد موته ، ولكن العرف لا يذكر البعث إلّا باعتبار وصف المبعوث بأنّه ميّت . ويجوز أن يكون البعث استعارة أيضا للهداية بعد الضلال تبعا لاستعارة الموت لعدم قبول الهدى على الوجهين المعروفين في الترشيح - في فن البيان - من كونه تارة يبقى على حقيقته لا يقصد منه إلّا تقوية الاستعارة ، وتارة يستعار من ملائم المشبّه به إلى شبهه من ملائم المشبّه ، كقوله تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
[ آل عمران : 103 ] . فيكون على هذا الوجه في الكلام وعد للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّ بعض هؤلاء الضالّين المكذّبين سيهديهم اللّه تعالى إلى الإسلام ، وهم من لم يسبق في علمه حرمانهم من الإيمان .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 81 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور