تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
عليهم بما يبيّن هذا في قوله :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
- إلى قوله -
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ
[ العنكبوت : 48 - 51 ] ، أي فما فائدة كونه ينزل في قرطاس من السماء مع أنّ المضمون واحد . وقال في ردّ قولهم :
حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ
[ الإسراء : 93 ]
قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء : 93 ] . نعم إنّ اللّه قد يقيم آيات من هذا القبيل من تلقاء اختياره بدون اقتراح عليه ، وهو ما يسمّى بالمعجزة مثل ما سمّى بعض ذلك بالآيات في قوله :
فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ
[ النمل : 12 ] ، فذلك أمر أنف من عند اللّه لم يقترحه عليه أحد . وقد أعطى نبيّنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك كثيرا في غير مقام اقتراح من المعرضين ، مثل انشقاق القمر ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وتكثير الطعام القليل ، ونبع الماء من الأرض بسهم رشقه في الأرض . هذا هو البيان الذي وعدت به عند قوله تعالى :
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
في هذه السورة [ 8 ] . ومن المفسّرين من جعل معنى قوله
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أنّهم لا يعلمون أنّ إنزال الآية على وفق مقترحهم يعقبها الاستئصال إن لم يؤمنوا ، وهم لعنادهم لا يؤمنون . إلّا أنّ ما فسّرتها به أولى لئلّا يكون معناها إعادة لمعنى الآية التي سبقتها ، وبه يندفع التوقّف في وجه مطابقة الجواب لمقتضى السؤال حسبما توقّف فيه التفتازانيّ في تقرير كلام « الكشاف » . وقوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
تنبيه على أنّ فيهم من يعلم ذلك ولكنّه يكابر ويظهر أنّه لا يتمّ عنده الاستدلال إلّا على نحو ما اقترحوه . وإعادة لفظ
آيَةٌ
بالتنكير في قوله
أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً
من إعادة النكرة نكرة وهي عين الأولى . وهذا يبطل القاعدة المتداولة بين المعربين من أنّ اللفظ المنكّر إذا أعيد في الكلام منكّرا كان الثاني غير الأول . وقد ذكرها ابن هشام في « مغني اللبيب » في الباب السادس ونقضها . وممّا مثّل به لإعادة النكرة نكرة وهي عين الأولى لا غيرها قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً
[ الروم : 54 ] . وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى : فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير في سورة النساء [ 128 ] .