تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
السائل جوابهم وبادرهم الجواب عنه بنفسه بقوله :
لِلَّهِ
تبكيتا لهم ، لأنّ الكلام مسوق مساق إبلاغ الحجّة مقدّرة فيه محاورة وليس هو محاورة حقيقية . وهذا من أسلوب الكلام الصادر من متكلّم واحد . فهؤلاء القوم المقدّر إلجاؤهم إلى الجواب سواء أنصفوا فأقرّوا حقّيّة الجواب أم أنكروا وكابروا فقد حصل المقصود من دمغهم بالحجّة . وهذا أسلوب متّبع في القرآن ، فتارة لا يذكر جواب منهم كما هنا ، وكما في قوله تعالى :
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ
[ الرعد : 16 ] ، وقوله :
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى
- إلى قوله -
قُلِ اللَّهُ
[ الأنعام : 91 ] ، وتارة يذكر ما سيجيبون به بعد ذكر السؤال منسوبا إليهم أنّهم يجيبون به ثم ينتقل إلى ما يترتّب عليه من توبيخ ونحوه ، كقوله تعالى :
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
- إلى قوله -
قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
[ المؤمنون : 84 - 89 ] . وابتدئ بإبطال أعظم ضلالهم . وهو ضلال الإشراك . وأدمج معه ضلال إنكارهم البعث المبتدأ به السورة بعد أن انتقل من ذلك إلى الإنذار الناشئ عن تكذيبهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولذلك لمّا كان دليل الوحدانية السالف دالا على خلق السماوات والأرض وأحوالها بالصراحة ، وعلى عبودية الموجودات التي تشملها بالالتزام ، ذكر في هذه الآية تلك العبودية بالصراحة فقال :
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
. وقوله :
لِلَّهِ
خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه
ما فِي السَّماواتِ
. إلخ . ويقدّر المبتدأ مؤخّرا عن الخبر على وزان السؤال لأنّ المقصود إفادة الحصر . واللام في قوله :
لِلَّهِ
للملك ؛ دلّت على عبودية الناس للّه دون غيره ، وتستلزم أنّ العبد صائر إلى مالكه لا محالة ، وفي ذلك تقرير لدليل البعث السابق المبني على إثبات العبودية بحقّ الخلق . ولا سبب للعبوديّة أحقّ وأعظم من الخالقية ، ويستتبع هذا الاستدلال الإنذار بغضبه على من أشرك معه . وهذا استدلال على المشركين بأنّ غير اللّه ليس أهلا للإلهيّة ، لأنّ غير اللّه لا يملك ما في السماوات وما في الأرض إذ ملك ذلك لخالق ذلك . وهو تمهيد لقوله بعده
لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
، لأنّ مالك الأشياء لا يهمل محاسبتها . وجملة :
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
معترضة ، وهي من المقول الذي أمر الرسول بأن يقوله . وفي هذا الاعتراض معان :
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 31 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور