تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
مَلَكٌ
أنّهم كانوا في قولهم ذلك قاصدين التعجيز والاستهزاء معا ، لأنّهم ما قالوه ألّا عن يقين منهم أنّ ذلك لا يكون ، فابتدئ الردّ عليهم بإبطال ظاهر كلامهم بقوله :
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ
. ثم ثنّى بتهديدهم على ما أرادوه من الاستهزاء ، والمقصود مع ذلك تهديدهم بأنّهم سيحيق بهم العذاب وأنّ ذلك سنة اللّه في كلّ أمّة استهزأت برسول له . فقوله :
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ
يدلّ على جملة مطوية إيجازا ، تقديرها : واستهزءوا بك ولقد استهزأ أمم برسل من قبلك ، لأنّ قوله من
قَبْلِكَ
، لأنّ قوله من
قَبْلِكَ
يؤذن بأنّه قد استهزئ به هو أيضا وإلّا لم تكن فائدة في وصف الرسل بأنّهم من قبله لأنّ ذلك معلوم . وحذف فاعل الاستهزاء فبنى الفعل إلى المجهول لأنّ المقصود هنا هو ترتّب أثر الاستهزاء لا تعيين المستهزئين . واللام للقسم ، وقد للتحقيق ، وكلاهما يدلّ على تأكيد الخبر . والمقصود تأكيده باعتبار ما تفرّع عنه ، وهو قوله :
فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا
إلخ ، لأنّ حال المشركين حال من يتردّد في أنّ سبب هلاك الأمم السالفة هو الاستهزاء بالرسل ، إذ لولا تردّدهم في ذلك لأخذوا الحيطة لأنفسهم مع الرسول عليه الصلاة والسلام ، الذي جاءهم فنظروا في دلائل صدقه وما أعرضوا ، ليستبرءوا لأنفسهم من عذاب متوقّع ، أو نزّلوا منزلة المتردّد إن كانوا يعلمون ذلك لعدم جريهم على موجب علمهم . واستهزاؤهم له أفانين ، منها قولهم :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
. ومعنى الاستهزاء تقدّم عند قوله تعالى :
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
في سورة البقرة . وهو مرادف للسخرية في كلام أئمّة اللغة ، فذكر
اسْتُهْزِئَ
أولا لأنّه أشهر ، ولمّا أعيد عبّر ب
سَخِرُوا
، ولمّا أعيد ثالث مرّة رجع إلى فعل
يَسْتَهْزِؤُنَ
، لأنّه أخفّ من ( يسخرون ) . وهذا من بديع فصاحة القرآن المعجزة . و
سَخِرُوا
بمعنى هزءوا ، ويتعدّى إلى المفعول ب
مِنْ
، قيل : لا يتعدّى بغيرها . وقيل : يتعدّى بالباء . وكذا الخلاف في تعدية هزأ واستهزأ . والأصحّ أنّ كلا الفعلين يتعدّى بحرف ( من ) والباء ، وأنّ الغالب في ( هزأ ) أن يتعدّى بالباء ، وفي سخر أن يتعدّى بمن . وأصل مادّة سخر مؤذن بأنّ الفاعل اتّخذ المفعول مسخّرا يتصرف فيه كيف شاء بدون حرمة لشدّة قرب مادّة سخر المخفّف من مادّة التسخير ، أي التطويع فكأنّه حوّله عن حقّ الحرمة الذاتية فاتّخذ منه لنفسه سخرية . وفعل
فَحاقَ
اختلف أئمّة اللغة في معناه . فقال الزجّاج : هو بمعنى أحاط ، وتبعه