أحدها : أنّ ما بعده لمّا كان مشعرا بإنذار بوعيد قدّم له التذكير بأنّه رحيم بعبيده عساهم يتوبون ويقلعون عن عنادهم ، على نحو قوله تعالى :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ الأنعام : 54 ] ، والشرك باللّه أعظم سوء وأشدّ تلبّسا بجهالة .
والثاني : أنّ الإخبار بأنّ للّه ما في السماوات وما في الأرض يثير سؤال سائل عن عدم تعجيل أخذهم على شركهم بمن هم ملكه . فالكافر يقول : لو كان ما تقولون صدقا لعجّل لنا العذاب ، والمؤمن يستبطئ تأخير عقابهم ، فكان قوله :
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
جوابا لكلا الفريقين بأنّه تفضّل بالرحمة ، فمنها رحمة كاملة : وهذه رحمته بعباده الصالحين ، ومنها رحمة موقّتة وهي رحمة الإمهال والإملاء للعصاة والضّالّين .
والثالث : أنّ ما في قوله :
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
من التمهيد لما في جملة
لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ
من الوعيد والوعد .
ذكرت رحمة اللّه تعريضا ببشارة المؤمنين وبتهديد المشركين .
الرابع : أنّ فيه إيماء إلى أنّ اللّه قد نجّى أمّة الدعوة المحمدية من عذاب الاستئصال الذي عذّب به الأمم المكذّبة رسلها من قبل ، وذلك ببركة النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إذ جعله رحمة للعالمين في سائر أحواله بحكم قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء :
107 ] ، وإذ أراد تكثير تابعيه فلذلك لم يقض على مكذّبيه قضاء عاجلا بل أمهلهم وأملى لهم ليخرج منهم من يؤمن به ، كما رجا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ولذلك لمّا قالوا :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ الأنفال : 32 ] قال اللّه تعالى
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ] . وقد حصل ما رجاه رسول اللّه فلم يلبث من بقي من المشركين أن آمنوا باللّه ورسوله بعد فتح مكة ودخلوا في دين اللّه أفواجا ، وأيّد اللّه بهم بعد ذلك دينه ورسوله ونشروا كلمة الإسلام في آفاق الأرض . وإذ قد قدّر اللّه تعالى أن يكون هذا الدين خاتمة الأديان كان من الحكمة إمهال المعاندين له والجاحدين ، لأنّ اللّه لو استأصلهم في أول ظهور الدين لأتى على من حوته مكة من مشرك ومسلم ، ثم يحشرون على نيّاتهم ، كما
ورد في الحديث لمّا قالت أمّ سلمة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنهلك وفينا الصالحون ، قال : نعم ، إذا كثر الخبث ثم يحشرون على نيّاتهم » .
فلو كان ذلك في وقت ظهور الإسلام لارتفع بذلك هذا الدين فلم يحصل المقصود من جعله خاتمة الأديان . وقد استعاذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا نزل عليه
قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ