تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
لرسالته فمن آمن فلنفسه ومن كفر فعليها . والحفيظ : القيّم الرّقيب ، أي لم نجعلك رقيبا على تحصيل إيمانهم فلا يهمّنك إعراضهم عنك وعدم تحصيل ما دعوتهم إليه إذ لا تبعة عليك في ذلك ، فالخبر مسوق مساق التّذكير والتسلية ، لا مساق الإفادة لأنّ الرّسول - عليه الصّلاة والسّلام - يعلم أنّ اللّه ما جعله حفيظا على تحصيل إسلامهم إذ لا يجهل الرّسول ما كلّف به . وكذلك قوله :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
تهوين على نفس الرّسول - عليه الصّلاة والسّلام - بطريقة التّذكير لينتفي عنه الغمّ الحاصل له من عدم إيمانهم . فإن أريد ما أنت بوكيل منّا عليهم كان تتميما لقوله :
وَما جَعَلْناكَ
« 1 »
عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
؛ وإن أريد ما أنت بوكيل منهم على تحصيل نفعهم كان استيعابا لنفي أسباب التّبعة عنه في عدم إيمانهم ، يقول : ما أنت بوكيل عليهم وكّلوك لتحصيل منافعهم كإيفاء الوكيل بما وكّله عليه موكّله ، أي فلا تبعة عليك منهم ولا تقصير لانتفاء سببي التّقصير إذ ليس مقامك مقام حفيظ ولا وكيل . فالخبر أيضا مستعمل في التّذكير بلازمه لا في حقيقته من إفادة المخبر به ، وعلى كلا المعنيين لا بدّ من تقدير مضاف في قوله :
عَلَيْهِمْ
، أي على نفعهم . والجمع بين الحفيظ والوكيل هنا في خبرين يؤيّد ما قلناه آنفا في قوله تعالى :
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
[ الأنعام : 104 ] . من الفرق بين الوكيل والحفيظ فاذكره . [ 108 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 108 ]

وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) عطف على قوله :
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 106 ] يزيد معنى الإعراض المأمور به بيانا ، ويحقّق ما قلناه أن ليس المقصود من الإعراض ترك الدّعوة بل المقصود الإغضاء عن سبابهم وبذيء أقوالهم مع الدّوام على متابعة الدّعوة بالقرآن ، فإنّ النّهي عن سبّ أصنامهم يؤذن بالاسترسال على دعوتهم وإبطال معتقداتهم مع تجنّب المسلمين سبّ ما يدعونهم من دون اللّه . والسبّ : كلام يدلّ على تحقير أحد أو نسبته إلى نقيصة أو معرّة ، بالباطل أو بالحقّ ، وهو مرادف الشّتم . وليس من السبّ النسبة إلى خطأ في الرّأي أو العمل ، ولا
هامش
( 1 ) في المطبوعة : ( أرسلناك ) .