تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
البيت الّذي يسكنه التّلامذة ويتعلّمون فيه المدرسة . والمعنى يقولون : تعلّمت ، طعنا في أمّية الرّسول - عليه الصّلاة والسّلام - لئلّا يلزمهم أنّ ما جاء به من العلم وحي من اللّه تعالى . وقرأ الجمهور
دَرَسْتَ
- بدون ألف وبفتح التّاء - . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو « دارست » - على صيغة المفاعلة وبفتح التّاء - أي يقولون : قرأت وقرئ عليك ، أي دارست أهل الكتاب وذاكرتهم في علمهم . وقرأه ابن عامر ويعقوب « درست » - بصيغة الماضي وتاء التأنيث - أي الآيات ، أي تكرّرت . وأمّا اللّام في قوله :
وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
فهي لام التّعليل الحقيقيّة . وضمير
لِنُبَيِّنَهُ
عائد إلى القرآن لأنّه ما صدق
الْآياتِ
، ولأنّه معلوم من السّياق . والقوم هم الّذين اهتدوا وآمنوا كما تقدّم في قوله :
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
[ الأنعام : 97 ] ، والكلام تعريض كما تقدّم . والمعنى أنّ هذا التّصريف حصل منه هدى للموفّقين ومكابرة للمخاذيل . كقوله تعالى :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
[ البقرة : 26 ] . [ 106 ، 107 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 106 إلى 107 ]

اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) استئناف في خطاب النّبيء - عليه الصّلاة والسّلام - لأمره بالإعراض عن بهتان المشركين وأن لا يكترث بأقوالهم ، فابتداؤه بالأمر باتّباع ما أوحي إليه يتنزّل منزلة المقدّمة للأمر بالإعراض عن المشركين ، وليس هو المقصد الأصلي من الغرض المسوق له الكلام ، لأنّ اتّباع الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم ما أوحي إليه أمر واقع بجميع معانيه ؛ فالمقصود من الأمر الدّوام على اتّباعه . والمعنى : أعرض عن المشركين اتّباعا لما أنزل إليك من ربّك . والمراد بما أوحي إليه القرآن . والاتّباع في الأصل اقتفاء أثر الماشي ، ثمّ استعمل في العمل بمثل عمل الغير ، كما في قوله :
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ
[ التوبة : 100 ] . ثمّ استعمل في امتثال الأمر والعمل بما يأمر به المتبوع فهو الائتمار ، ويتعدّى فعله إلى ذات المتّبع فيقال : اتّبعت فلانا بهذه