النّسبة إلى ضلال في الدّين إن كان صدر من مخالف في الدّين .
والمخاطب بهذا النّهي المسلمون لا الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم لأنّ الرّسول لم يكن فحّاشا ولا سبّابا لأنّ خلقه العظيم حائل بينه وبين ذلك ، ولأنّه يدعوهم بما ينزل عليه من القرآن فإذا شاء اللّه تركه من وحيه الّذي ينزله ، وإنّما كان المسلمون لغيرتهم على الإسلام ربّما تجاوزوا الحدّ ففرطت منهم فرطات سبّوا فيها أصنام المشركين .
روى الطّبري عن قتادة قال « كان المسلمون يسبّون أوثان الكفّار فيردّون ذلك عليهم فنهاهم اللّه أن يستسبّوا لربّهم » . وهذا أصحّ ما روي في سبب نزول هذه الآية وأوفقه بنظم الآية . وأمّا ما روى الطّبري عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس أنّه لمّا نزل قوله تعالى :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
[ الأنبياء : 98 ] قال المشركون : لئن لم تنته عن سبّ آلهتنا وشتمها لنهجونّ إلهك ، فنزلت هذه الآية في ذلك ، فهو ضعيف لأنّ عليّ بن أبي طلحة ضعيف وله منكرات ولم يلق ابن عبّاس . ومن البعيد أن يكون ذلك المراد من النّهي في هذه الآية ، لأنّ ذلك واقع في القرآن فلا يناسب أن ينهى عنه بلفظ
وَلا تَسُبُّوا
وكان أن يقال : ولا تجهروا بسبّ الّذين يدعون من دون اللّه مثلا . كما قال في الآية الأخرى
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
[ الإسراء : 110 ] . وكذا ما رواه عن السديّ أنّه لمّا قربت وفاة أبي طالب قالت قريش : ندخل عليه ونطلب منه أن ينهى ابن أخيه عنّا فإنّا نستحيي أن نقتله بعد موته ، فانطلق نفر من سادتهم إلى أبي طالب وقالوا : أنت سيّدنا ، وخاطبوه بما راموا ،
فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال له : هؤلاء قومك وبنو عمّك يريدون أن تدعهم وآلهتهم ويدعوك وإلهك ، وقالوا : لتكفّن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنّك ولنشتمنّ من يأمرك .
ولم يقل السدّي أنّ ذلك سبب نزول هذه الآية ولكنّه جعله تفسيرا للآية ، ويرد عليه ما أوردناه على ما روي عن عليّ بن أبي طلحة .
قال الفخر : هاهنا إشكالان هما : أنّ النّاس اتّفقوا على أنّ سورة الأنعام نزلت دفعة واحدة فكيف يصحّ أن يقال : إنّ سبب نزول هذه الآية كذا ، وأنّ الكفّار كانوا مقرّين باللّه تعالى وكانوا يقولون : عبدنا الأصنام لتكون شفعاء لنا عند اللّه فكيف يعقل إقدام الكفّار على شتم اللّه تعالى ا ه .
وأقول : يدفع الإشكال الأوّل أنّ سبب النّزول ليس يلزم أن يكون مقارنا للنّزول فإنّ السّبب قد يتقدّم زمانه ثمّ يشار إليه في الآية النّازلة فتكون الآية جوابا عن أقوالهم . وقد أجاب الفخر بمثل هذا عند قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ
[ الأنعام : 111 ]