تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
جملة معترضة تذييلا لما قبلها . والواو اعتراضية فهو متّصل بجملة :
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
[ الأنعام : 104 ] الّتي هي من خطاب اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بتقدير « قل » كما تقدّم ، والإشارة بقوله :
وَكَذلِكَ
إلى التّصريف المأخوذ من قوله :
نُصَرِّفُ الْآياتِ
. أي ومثل ذلك التّصريف نصرّف الآيات . وتقدّم نظيره غير مرّة وأوّلها قوله :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
في سورة البقرة [ 143 ] . والقول في تصريف الآيات تقدّم في قوله تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ
في هذه السّورة [ 46 ] . وقوله :
وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ
معطوف على
وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ
وقد تقدّم بيان معنى هذا العطف في نظيره في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
من هذه السّورة [ 55 ] . ولكن ما هنا يخالف ما تقدّم مخالفة ما فإنّ قول المشركين للرّسول - عليه الصلاة والسلام -
دَرَسْتَ
لا يناسب أن يكون علّة لتصريف الآيات ، فتعيّن أن تكون اللّام مستعارة لمعنى العاقبة والصيرورة كالّتي في قوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] . المعنى . فكان لهم عدوّا . وكذلك هنا ، أي نصرّف الآيات مثل هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : درست . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبيينا من شأنه أن يصدر من العالم الّذي درس العلم فيقول المشركون درست هذا وتلقّيته من العلماء والكتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التّبيين من رجل يعلمونه أمّيّا لا يكون إلّا من قبل وحي من اللّه إليه ، وهذا كقوله :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
[ النحل : 103 ] وهم قد قالوا ذلك من قبل ويقولونه ويزيدون بمقدار زيادة تصريف الآيات ، فشبّه ترتّب قولهم على التّصريف بترتّب العلّة الغائيّة ، واستعير لهذا المعنى الحرف الموضوع للعلّة على وجه الاستعارة التّبعيّة ، ولذلك سمّى بعض النّحويين مثل هذه اللّام لام الصّيرورة ، وليس مرادهم أنّ الصّيرورة معنى من معاني اللّام ولكنّه إفصاح عن حاصل المعنى . والدّراسة : القراءة بتمهّل للحفظ أو للفهم ، وتقدّم عند قوله تعالى :
وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
في سورة آل عمران [ 79 ] . وفعله من باب نصر . يقال : درس الكتاب ، أي تعلّم . وقد تقدّم في قوله تعالى :
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
[ آل عمران : 79 ] ، وقال
وَدَرَسُوا ما فِيهِ
[ الأعراف : 169 ] . وسمّي بيت تعلّم اليهود المدراس ، وسمّي