تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
اللّه ، عقّب بعد ذلك بإبطال ما اختلقه المشركون من الشّرائع الضّالة في أحوالهم الّتي شرعها لهم عمرو بن لحيّ من عبادة الأصنام ، وزعمهم أنّهم شفعاء لهم عند اللّه ، وما يستتبع ذلك من البحيرة ، والسّائبة ، وما لم يذكر اسم اللّه عليه من الذبائح ، وغير ذلك . فهم ينفون الرّسالة تارة في حين أنّهم يزعمون أنّ اللّه أمرهم بأشياء فكيف بلغهم ما أمرهم اللّه به في زعمهم ، وهم قد قالوا :
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 91 ] . فلزمهم أنّهم قد كذبوا على اللّه فيما زعموا أنّ اللّه أمرهم به لأنّهم عطّلوا طريق وصول مراد اللّه إلى خلقه وهو طريق الرّسالة فجاءوا بأعجب مقالة . وذكر من استخفّوا بالقرآن فقال بعضهم : أنا أوحي إليّ ، وقال بعضهم : أنا أقول مثل قول القرآن ، فيكون المراد بقوله :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
تسفيه عقائد أهل الشّرك والضّلالة منهم على اختلافها واضطرابها . ويجوز أن يكون المراد مع ذلك تنزيه النّبيء صلّى اللّه عليه وسلم عمّا رموه به من الكذب على اللّه حين قالوا :
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 91 ] لأنّ الّذي يعلم أنّه لا ظلم أعظم من الافتراء على اللّه وادّعاء الوحي باطلا لا يقدم على ذلك ، فيكون من ناحية قول هرقل لأبي سفيان « وسألتك هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أنّ لا ، فقد أعرف أنّه لم يكن ليذر الكذب على النّاس ويكذب على اللّه » . والاستفهام إنكاري فهو في معنى النّفي ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء أصحاب هذه الصّلات . ومساقه هنا مساق التّعريض بأنّهم الكاذبون إبطالا لتكذيبهم إنزال الكتاب ، وهو تكذيب دلّ عليه مفهوم قوله :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ
[ الأنعام : 92 ] لاقتضائه أنّ الّذين لا يؤمنون بالآخرة وهم المشركون يكذّبون به ؛ ومنهم الّذي قال : أوحي إليّ ؛ ومنهم الّذي قال : سأنزل مثل ما أنزل اللّه ؛ ومنهم من افترى على اللّه كذبا فيما زعموا أنّ اللّه أمرهم بخصال جاهليتهم . ومثل هذا التّعريض قوله تعالى في سورة العقود [ 60 ]
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ
الآية عقب قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ
[ المائدة : 57 ] الآية . وتقدّم القول في
وَمَنْ أَظْلَمُ
عند قوله تعالى :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
في سورة البقرة [ 114 ] . وافتراء : الاختلاق ، وتقدّم في قوله تعالى :
وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ