تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
وأمّا جملة
وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى
فوجود واو العطف في أوّلها مانع من تعليق
لِتُنْذِرَ
بفعل
أَنْزَلْناهُ
، ومن جعل المجرور خبرا عن
كِتابٌ
خلافا للتفتازاني ، إذ الخبر إذا كان مجرورا لا يقترن بواو العطف ولا نظير لذاك في الاستعمال ، فوجود لام التّعليل مع الواو مانع من جعلها خبرا آخر ل
كِتابٌ
، فلا محيص عند توجيه انتظامها مع ما قبلها من تقدير محذوف أو تأويل بعض ألفاظها ، والوجه عندي أنّه معطوف على مقدّر ينبئ عنه السّياق . والتّقدير : ليؤمن أهل الكتاب بتصديقه ولتنذر المشركين . ومثل هذا التّقدير يطّرد في نظائر هذه الآية بحسب ما يناسب أن يقدّر . وهذا من أفانين الاستعمال الفصيح . ونظيره قوله تعالى :
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
في سورة إبراهيم [ 52 ] . ووقع في « الكشاف » أنّ
وَلِتُنْذِرَ
معطوف على ما دلّت عليه صفة الكتاب ، كأنّه قيل : أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدّمه والإنذار ا ه . وهذا وإن استتبّ في هذه الآية فهو لا يحسن في آية سورة إبراهيم ، لأنّ لفظ « بلاغ » اسم ليس فيه ما يشعر بالتّعليل ، و « للنّاس » متعلّق به واللّام فيه للتّبليغ لا للتّعليل ، فتعيّن تقدير شيء بعده نحو لينتبهوا أو لئلّا يؤخذوا على غفلة ولينذروا به . والإنذار : الإخبار بما فيه توقّع ضرّ ، وضدّه البشارة . وقد تقدّم عند قوله تعالى :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً
في سورة البقرة [ 119 ] . واقتصر عليه لأنّ المقصود تخويف المشركين إذ قالوا :
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 91 ] . وأمّ القرى : مكّة ، وأمّ الشيء استعارة شائعة في الأمر الّذي يرجع إليه ويلتفّ حوله ، وحقيقة الأمّ الأنثى الّتي تلد الطفل فيرجع الولد إليها ويلازمها ، وشاعت استعارة الأمّ للأصل والمرجع حتّى صارت حقيقة ، ومنه سمّيت الراية أمّا ، وسمّي أعلى الرأس أمّ الرأس ، والفاتحة أمّ القرآن . وقد تقدّم ذلك في تسمية الفاتحة . وإنّما سمّيت مكّة أمّ القرى لأنّها أقدم القرى وأشهرها وما تقرّت القرى في بلاد العرب إلّا بعدها ، فسمّاها العرب أمّ القرى ، وكان عرب الحجاز قبلها سكّان خيام . وإنذار أمّ القرى بإنذار أهلها ، وهذا من مجاز الحذف كقوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] ، وقد دلّ عليه قوله
وَمَنْ حَوْلَها
، أي القبائل القاطنة حول مكّة مثل خزاعة ، وسعد بن بكر ، وهوازن ، وثقيف ، وكنانة . ووجه الاقتصار على أهل مكّة ومن حولها في هذه الآية أنّهم الّذين جرى الكلام
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 218 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور