تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
غمرات . و ( في ) للظرفيّة المجازيّة للدّلالة على شدّة ملابسة الغمرات لهم حتّى كأنّها ظرف يحويهم ويحيط بهم . فالموت على هذا الوجه مستعمل في معناه الحقيقي وغمراته هي آلام النّزع . وتكون جملة :
أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ
حكاية قول الملائكة لهم عند قبض أرواحهم . فيكون إطلاق الغمرات مجازا مفردا ويكون الموت حقيقة . ومعنى بسط اليد تمثيلا للشدّة في انتزاع أرواحهم ولا بسط ولا أيدي . والأنفس بمعنى الأرواح ، أي أخرجوا أرواحكم من أجسادكم ، أي هاتوا أرواحكم ، والأمر للإهانة والإرهاق إغلاظا في قبض أرواحهم ولا يتركون لهم راحة ولا يعاملونهم بلين ، وفيه إشارة إلى أنّهم يجزعون فلا يلفظون أرواحهم وهو على هذا الوجه وعيد بالآلام عند النّزع جزاء في الدّنيا على شركهم ، وقد كان المشركون في شكّ من البعث فتوعّدوا بما لا شكّ فيه ، وهو حال قبض الأرواح بأنّ اللّه يسلّط عليهم ملائكة تقبض أرواحهم بشدّة وعنف وتذيقهم عذابا في ذلك . وذلك الوعيد يقع في نفوسهم موقعا عظيما لأنّهم كانوا يخافون شدائد النّزع وهو كقوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ
[ الأنفال : 50 ] الآية ، وقول
أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ
على هذا صادر من الملائكة . ويجوز أن يكون هذا وعيدا بما يلاقيه المشركون من شدائد العذاب يوم القيامة لمناسبة قوله بعد
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى
[ الأنعام : 94 ] ؛ فغمرات الموت تمثيل لحالهم يوم الحشر في منازعة الشّدائد وأهوال القيامة بحال منهم في غمرات الموت وشدائد النّزع فالموت تمثيل وليس بحقيقة . والمقصود من التّمثيل تقريب الحالة وإلّا فإنّ أهوالهم يومئذ أشدّ من غمرات الموت ولكن لا يوجد في المتعارف ما هو أقصى من هذا التّمثيل دلالة على هول الألم . وهذا كما يقال : وجدت ألم الموت ، وقول أبي قتادة في وقعة حنين : « فضمّني ضمّة وجدت منها ريح الموت » ، وقول الحارث بن هشام المخزومي :
وشممت ريح الموت من تلقائهم * في مأزق والخيل لم تتبدّد
وجملة :
وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ
حال ، أي والملائكة مادّون أيديهم إلى المشركين ليقبضوا عليهم ويدفعوهم إلى الحساب على الوجه الثّاني ، أو ليقبضوا أرواحهم على الوجه الأوّل ، فيكون بسط الأيدي حقيقة بأن تتشكّل الملائكة لهم في أشكال في صورة الآدميين . ويجوز أن يكون بسط الأيدي كناية عن المسّ والإيلام ، كقوله :
لَئِنْ