وقد مضت ترجمة إبراهيم - عليه السلام - عند قوله تعالى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ
[ البقرة : 124 ] . وترجمة إسحاق ، ويعقوب ، عند قوله تعالى :
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ
[ البقرة : 132 ] وقوله :
وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
[ البقرة : 133 ] كلّ ذلك في سورة البقرة .
وقوله :
كُلًّا هَدَيْنا
اعتراض ، أي كلّ هؤلاء هديناهم يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فحذف المضاف إليه لظهوره وعوض عنه التّنوين في « كلّ » تنوين عوض عن المضاف إليه كما هو المختار .
وفائدة ذكر هديهما التّنويه بإسحاق ويعقوب ، وأنّهما نبيان نالا هدى اللّه كهديه إبراهيم ، وفيه أيضا إبطال للشرك ، ودمغ ، لقريش ومشركي العرب ، وتسفيه لهم بإثبات أنّ الصالحين المشهورين كانوا على ضدّ معتقدهم كما سيصرّح به في قوله :
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الأعراف : 88 ] .
وجملة :
وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ
عطف على الاعتراض ، أي وهدينا نوحا من قبلهم . وهذا استطراد بذكر بعض من أنعم اللّه عليهم بالهدى ، وإشارة إلى أنّ الهدى هو الأصل ، ومن أعظم الهدى التّوحيد كما علمت . وانتصب
نُوحاً
على أنّه مفعول مقدّم على
هَدَيْنا
للاهتمام ، و
مِنْ قَبْلُ
حال من
نُوحاً
. وفائدة ذكر هذا الحال التّنبيه على أنّ الهداية متأصّلة في أصول إبراهيم وإسحاق ويعقوب . وبني
قَبْلُ
على الضمّ ، على ما هو المعروف في ( قبل ) وأخوات غير من حذف ما يضاف إليه قبل وينوى معناه دون لفظه . وتقدمت ترجمة نوح عند قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً
في سورة آل عمران [ 33 ] .
وقوله :
مِنْ ذُرِّيَّتِهِ
حال من داود ، و
داوُدَ
مفعول ( هدينا ) محذوفا . وفائدة هذا الحال التّنويه بهؤلاء المعدودين بشرف أصلهم وبأصل فضلهم ، والتّنويه بإبراهيم أو بنوح بفضائل ذرّيّته . والضمير المضاف إليه عائد إلى نوح لا إلى إبراهيم لأنّ نوحا أقرب مذكور ، ولأنّ لوطا من ذرّية نوح ، وليس من ذرية إبراهيم حسبما جاء في كتاب التّوراة .
ويجوز أن يكون لوط عومل معاملة ذرّيّة إبراهيم لشدّة اتّصاله به . كما يجوز أن يجعل ذكر اسمه بعد انتهاء أسماء من هم من ذرّيّة إبراهيم منصوبا على المدح بتقدير فعل لا على العطف .
وداود تقدّم شيء من ترجمته عند قوله تعالى :
وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ
في سورة البقرة [ 251 ] . ونكمّلها هنا بأنّه داود بن يسيّ من سبط يهوذا من بني إسرائيل . ولد بقرية بيت لحم سنة 1085 قبل المسيح ، وتوفّي في أورشليم سنة 1015 . وكان في شبابه راعيا لغنم