تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
[ 83 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 83 ]

وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 83 ) عطف على جملة
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ
[ الأنعام : 80 ] . و
تِلْكَ
إشارة إلى جميع ما تكلّم به إبراهيم في محاجّة قومه ، وأتي باسم إشارة المؤنّث لأنّ المشار إليه حجّة فأخبر عنه بحجّة فلمّا لم يكن ثمّة مشار إليه محسوس تعيّن أن يعتبر في الإشارة لفظ الخبر لا غير ، كقوله تعالى :
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
[ البقرة : 253 ] . وإضافة الحجّة إلى اسم الجلالة للتّنويه بشأنها وصحّتها . و
آتَيْناها
في موضع الحال من اسم الإشارة أو من الخبر . وحقيقة الإيتاء الإعطاء ، فحقّه أن يتعدّى إلى الذّوات ، ويكون بمناولة اليد إلى اليد . قال تعالى :
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى
[ البقرة : 177 ] ، ولذلك يقال : اليد العليا هي المعطية واليد السّفلى هي المعطاة . ويستعمل مجازا شائعا في تعليم العلوم وإفادة الآداب الصالحة وتخويلها وتعيينها لأحد دون مناولة يد سواء كانت الأمور الممنوحة ذواتا أم معاني . يقال : آتاه اللّه مالا ، ويقال : آتاه الخليفة إمارة و
آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
[ البقرة : 258 ] ،
وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ
[ ص : 20 ] . فإيتاء الحجّة إلهامه إيّاها وإلقاء ما يعبّر عنها في نفسه . وهو فضل من اللّه على إبراهيم إذ نصره على مناظريه . و
عَلى
للاستعلاء المجازي ، وهو تشبيه الغالب بالمستعلي المتمكّن من المغلوب ، وهي متعلّقة ب
حُجَّتُنا
خلافا لمن منعه . يقال : هذا حجّة عليك وشاهد عليك ، أي تلك حجّتنا على قومه أقحمناهم بها بواسطة إبراهيم ، ويجوز أن يتعلّق ب
آتَيْناها
لمّا يتضمّنه الإيتاء من معنى النصر . وجملة :
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
حال من ضمير الرفع في
آتَيْناها
أو مستأنفة لبيان أنّ مثل هذا الإيتاء تفضيل للمؤتى وتكرمة له . ورفع الدّرجات تمثيل لتفضيل الشأن ، شبّهت حالة المفضّل على غيره بحال المرتقي في سلّم إذا ارتفع من درجة إلى درجة ، وفي جميعها رفع ، وكلّ أجزاء هذا التمثيل صالح لاعتبار تفريق التّشبيه ، فالتّفضيل يشبه الرّفع ، والفضائل المتفاوتة تشبه الدّرجات ، ووجه الشّبه عزّة حصول ذلك لغالب النّاس . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، بإضافة
دَرَجاتٍ
إلى
مَنْ
. فإضافة الدرجات إلى اسم الموصول باعتبار ملابسة المرتقي في الدرجة لها لأنّها