تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
أصناما . وتلك ديانة الكلدانيين قوم إبراهيم . يقال : جنّة الليل ، أي أخفاه ، وجنان الليل - بفتح الجيم - ، وجنّه : ستره الأشياء المرئية بظلامه الشديد . يقال : جنّة الليل ، وهو الأصل . ويقال : جنّ عليه الليل ، وهذا يقصد به المبالغة في الستر بالظلمة حتّى صارت كأنّها غطاء ، ومع ذلك لم يسمع في كلامهم جنّ اللّيل قاصرا بمعنى أظلم . وظاهر قوله :
رَأى كَوْكَباً
أنّه حصلت له رؤية الكواكب عرضا من غير قصد للتأمّل وإلّا فإنّ الأفق في الليل مملوء كواكب ، وأنّ الكواكب كان حين رآه واضحا في السماء مشرقا بنوره ، وذلك أنور ما يكون في وسط السماء . فالظاهر أنّه رأى كوكبا من بينها شديد الضوء . فعن زيد بن علي أنّ الكوكب هو الزهرة . وعن السدّي أنّه المشتري . ويجوز أن يكون نظر الكواكب فرأى كوكبا فيكون في الكلام إيجاز حذف مثل
أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ
[ الشعراء : 63 ] ، أي فضرب فانفلق . وجملة
رَأى كَوْكَباً
جواب
فَلَمَّا
. والكوكب : النجم . وجملة :
قالَ هذا رَبِّي
مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا لسؤال ينشأ عن مضمون جملة
رَأى كَوْكَباً
وهو أن يسأل سائل : فما ذا كان عندما رآه ، فيكون قوله :
قالَ هذا رَبِّي
جوابا لذلك . واسم الإشارة هنا لقصد تمييز الكوكب من بين الكواكب ولكن إجراؤه على نظيريه في قوله حين رأى القمر وحين رأى الشمس
هذا رَبِّي
-
هذا رَبِّي
يعيّن أنّ يكون القصد الأصلي منه هو الكناية بالإشارة عن كون المشار إليه أمرا مطلوبا مبحوثا عنه فإذا عثر عليه أشير إليه ، وذلك كالإشارة في قوله تعالى :
لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ
[ الروم : 56 ] ، وقوله :
قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ
[ يوسف : 32 ] ولم يقل فهو الذي لمتنني . ولعلّ منه قوله :
هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا
[ يوسف : 65 ] إذ لم يقتصروا على « بضاعتنا ردّت إلينا » . وفي « صحيح البخاري » قال الأحنف بن قيس : « ذهبت لأنصر هذا الرجل » ( يعني عليّ بن أبي طالب ) ولم يتقدّم له ذكر ، لأنّ عليّا وشأنه هو الجاري في خواطر الناس أيام صفّين ، وسيأتي قوله تعالى :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ
[ الأنعام : 89 ] يعني كفّار قريش ، وفي حديث سؤال القبر : « فيقال له ما علمك بهذا الرجل » ( يعني الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ) ، وهذا من الأغراض الداعية للتعريف باسم الإشارة التي أهملها علماء البلاغة فيصحّ هنا أن يجعل مستعملا في معنييه الصريح والكناية .